- التحليل الاقتصادي لتطبيق التورق في المصرفية الإسلامية- سؤال اللحظة : موريتانيا إلى أين تسير؟- دعوة للتضامن مع ولد صلاحي وأحمد ولد عبد العزيز
أصلي عليك..في ذكرى المولدأصلي عليك..في ذكرى المولدرسالة الى رئيس موريتانيا

القائمة الرئيسية


هذه اللحظة

المتواجدون حالياً 6
الأعضاء 0+ الزوار 6
زيارات اليوم
135
زيارات الأمس
1079
عدد الأعضاء 200

أكبر تواجد كان بتاريخ
01-09-18 (03:42)
2880599 زائر


اتصل بنا


بريد الموقع

للتواصل مع الموقع فقد تم تخصيص بريد خاص بالموقع .

info@manarebat.com


أهداف الموقع

عرض أهداف الموقع


إحصائيات

الأقسام 20
الأخبار المحلية 0
صوت المواطن 0
المقالات 5402
القراءات 1224728
الردود 4


سجل الزوار


ابحث في الموقع

البحث في القسم
البحث في المقال


القائمة البريدية

اشتراك
انسحاب


شكل الموقع


القسم : مع العلماء والدعاة ورجال الفكر
مابلة الدكتور مختار الغوث مع ملحق الرسالة


 

أجرى ملحق الرسالة الأسبوعي الذي يصدر عن صحيفة المدينة مقابلة مع الأكاديمي الموريتاني المدرس بجامعة الملك عبد العزيز في جدة الحوار التالي : 

الخميس, 18 فبراير 2010
حوار - غازي كشميم


في طرح جريء وهادئ يعيد الدكتور مختار الغوث أستاذ اللغة في جامعة الملك عبد العزيز والباحث في الجوانب الفكرية والعقلية إلى العقل اعتباره بعد أن همشته الثقافة الإسلامية، ويسبر بالاستقراء التاريخي لتراثنا نزعات التوجس من المنهجية العقلية ويحمل تلك النزعات أسباب تخلفنا العلمي والحضاري، كما أبان عن امتدادات تلك النزعات في المدارس الفكرية المعاصرة وتأثير بعض المقولات السائدة على فكر الأمة، فإلى تفاصيل الحوار:
النقل قبل العقل

• دكتور نبدأ من اتهامك للثقافة الإسلامية بأنها لم تعط العقل منزلته إلا في حقب قصيرة ومتفاوتة ولم يبرز إلا قلة من العلماء والفقهاء؟• الفقهاء فيما يخص استخراج الأحكام وتنزيلها كانوا يجتهدون، لكن العقل لم يكن هو الذي يتحكم في اجتهاد بعضهم، وكذلك العلماء في بعض العلوم الأخرى، لم يكن للعقل مكان عظيم فيما يقولون. ومن الأمثلة على ذلك تاريخ الإمام الطبري –رحمه الله-، فقد قال في مقدمته إنه أورد فيه ما روى من الأخبار والآثار؛ لأن التاريخ لا يعرف إلا بالنقل، وتبرأ من عهدة ما رَوى، واكتفى بالقول: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه؛ من أجل أنه لم يعرف له وجها من الصحة، ولا معنى من الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا". وهو -رحمة الله عليه- مؤرخ، وواحد من أجل الفقهاء المجتهدين، فكان ينبغي أن يتجاوز عمله النقل المجرد إلى التحقيق والتمحيص. ولو كان يتكئ على العقل في تقبُّل ما يروي لمحصه، فاجتهد في تمحيصه، فقبل ما يقبل العقل، ورفض ما يرفض، وتردد فيما يحتمل الأمرين. ويقال مثل هذا في التفسير واللغة والأدب، مثلا، فقد كان معولها على الرواية، وقلما أعمل فيها العقل بالنقد والتمحيص؛ ليعرف الصحيح منها وغير الصحيح، فكثر فيها الاختلاف والتناقض، والخرافة والإحالة والإسرائيليات، وربما بني على ذلك بعض الأحكام التي يعدها أصحابها علما، وليست منه.• يعني دكتور خلال فترة التاريخ الإسلامي كله لم يأخذ العقل مكانته اللائقة ويستبطن  كممارسة معتادة؟• نعم، أرى أن ذلك لم يحدث، وإنما كان يحدث في مدد محددة، من شخصيات بعينها، كالإمام أبي حامد الغزالي، الذي كان يعول كثيرا على العقل، أو دعني أقل: كان يتبع المنهج العلمي؛ لأن العقل قد يفهم على وجه آخر. كان يحكم المنهج العلمي على وجه يكاد يكون فريدا في التراث العربي الإسلامي، وابن خلدون، وظهرت آثار تحكيمه للمنهج العلمي فيما كتب في مقدمته، من انتقاد ما كان يصنع بعض العلماء من رواية كل ما يجدون من غير تمحيص ولا دراسة.• ما مرد ذلك في رأيك؟• هذه المسألة تحتاج إلى بحث متعمق، لكن قد يكون من أسبابها:1- فتنة القول بخلق القرآن في عهد الواثق، وما تبعها من النفور من منهج الاعتزال، إلا أن مذاهب أهل السنة تفاوتت في ذلك النفور، فقد نزع بعضها إلى دراسة الفلسفة والتعمق فيها، وتصدوا للعقليين بمنطقهم؛ ففككوا مقولات المعتزلة والفلاسفة، كما فعل الإمام أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- في تقريره مذهب أهل الحديث والدفاع عنه. على حين نزعت طائفة من العلماء إلى التمسك بالنص وآثار السلف لا تتعداها، وذموا الرأي وأهله، وحذروا منهما، ورفضوا أن يخوضوا فيما لم يخض فيه السلف.2- أن الأحكام الشرعية، قبل القرن الثالث، كان يعول في استنباطها على ما أُثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته من الفتاوي والأقضية، ولم يكن الفقهاء يئلون إلى منهج مكتوب، وإن كان بعض المتقدمين كمالك وأبي حنيفة وبعض شيوخهم من التابعين تدل مذاهبهم في استنباط الأحكام، وأدلتهم على ما يستنبطون، ودفاعهم عما يخالَفون فيه من المسائل على أنهم كانوا يتبعون منهجا واضحا في أذهانهم، وإن لم يبينوا معالمه كتابةً. ثم حاول الشافعي أن يدون منهجا علميا في التعامل مع النص، وتابعه الأصوليون في تطويره والاحتجاج له وتطبيقه. ولعل الحقبة التي سبقت تدوين الأصول حببت إلى بعض الفقهاء التعويل على النص دون الرجوع إلى تلك الأصول التي دونت فيما بعد، من حبهم للسلف وحرصهم على الاقتداء به، فمن ثم سبق فقه الفروع علم الأصول، فكان له من التمكن عند بعض الفقهاء ما لم يكن لعلم الأصول. ولعل هذا السبق مما أورث زهدا في العقل، بسبب الثقافة الاتباعية التي تحتل مكانة كبيرة في الذهن الإسلامي، فظُن أن لا مدخل للعقل في الشرع، ما دام الموروث من فقه الأولين هو الأحكام الفرعية الجزئية التي كانت تستنبط مباشرة من النص من غير بحث عن المعاني الثاوية وراء الحكْم، التي هي علته، أو هي مقصد الشرع منه، ثم أورث هذا ثقافة الشعور بمباينة العقل للشرع، والخوف من قول ما لم يُقَل، وطلب السلامة بالاتباع. ولعل من آثار هذا ما كان يراه بعض الفقهاء من أنه لا دخل للقياس في الشرع، وإيثار الحديث الضعيف عليه. على حين كان الأصوليون أنزع من فقهاء الفروع إلى العقل والجمع بينه وبين النص، لإيمانهم بالمقاصد، والعلل في الشرع، وما يترتب على ذلك من وجوب القياس، وتطلب المصلحة في الاستنباط، وعدم الاكتفاء بالوقوف عند النص وتطبيقه في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن تلاه من علماء الصحابة وتابعيهم، وارتفاع الحكْم عند زوال علته. فكانوا أجرأ منهم، وأقل تحرجا من الاجتهاد والانفراد بالقول، لم يُسبقوا إليه. 3- الاجتهاد غير الموفق عند بعض علماء هذا العصر، بسبب حرصهم على التوفيق بين الشرع والحداثة، والتصدي للشكوك التي أثارها الاتصال بحضارة الغرب، وإصرار الاستعمار على سلخ المسلمين من دينهم، فعمد بعضهم إلى تأويل غير منضبط بالمنهج الأصولي، فوقعوا في تعطيل بعض أحكام الشريعة، أو العدول بها عن وجهها. هذا إلى الدعوات التي تنتحل العقلانية والعلمية ظاهرا، وهي تريد تقويض الشرع في حقيقتها، ولا ترى مرجعيته وهيمنته على الحياة، ولا ترى فيه أكثر من دين كسائر الأديان التي تجووزت بالعلمانية، والتخلية بين الناس وبين ما يعتقدون منها، من حيث هي شيء خاص بالمرء، خارج عن نطاق العلم، لا ينبغي أن تُقيَّد به الحياة. وكان بعض هؤلاء يتوسلون إلى ما يريدون بدعوى الاجتهاد والتجديد والعقلانية، فحكَّموا فهومهم في شرع لا يفقهونه، ولا علم لهم بمنهج التعامل معه، على وجه يشوبه الهوى والذاتية ومجانبة العلم.فسحبت الثقافةُ الذهنية حكم هؤلاء على كل من يدعو إلى التعقل في فهم الشرع وتنزيله، وعدم الاكتفاء باستعادة آراء السابقين فيه، فإن الواقع غير الواقع، وعدم مراعاة ذلك قد ينزِّل الحكم تنزيلا لا يحقق مقصد الشارع منه. ولم تميز هذه الذهنية المسلم الذي يريد فقه الشرع، والتوسل إليه بمنهج علمي، هو وحده الذي يحقق فهمه ومقاصده، ولا يرى أن له الخِيَرة في الأمر يقضي فيه الله ورسوله، من الذي يريد التخلص من الشرع وتحرير الحياة منه. وهذه طبيعة العواطف والثقافة السلبية التي لا تستبصر.4- أقوال شهيرة في ذم الرأي والفلسفة، والحض على لزوم الأثر والاستمساك بالسنة والتحذير من البدعة، مأثورة عن بعض السلف، وبعض أهل الحديث وغيرهم، كقول الإمام الذهبي -رحمه الله-: "وما دواء هذه العلوم (الفلسفة) وعلمائها والقائمين بها علما وعقلا إلا الحريق والإعدام، إذ الدين ما زال كاملا حتى عُرِّبت هذه الكتب ونظر فيها المسلمون، فلو أُعدمت لكان فتحا مبينا". وقول ابن خلدون -رحمه الله-: "وضررها (الفلسفة) في الدين كثير، فوجب أن يصدع بشأنها، ويكشف عن المعتقد الحق فيها".والمنهج العلمي -في الحقيقة- ما يناقض النقل، وإنما وظيفته في جانب الشرع تمحيص المنقول حتى يثبت، ثم فقهه إذا ثبت: ما المقصد منه؟ وأين هو من النصوص المحكمة القطعية الدلالة والورود، ومن مقاصد الشرع في تحقيق المصالح ودرء المفاسد. وهذا لا يكفي فيه النقل وحده.• يعني دكتور أنت تدعو إلى إضافة المنهج العلمي العقلي إلى أدوات تمحيص النصوص الأخرى. • نعم.• هل للمعارك الفكرية التاريخية أثر في ذلك خاصة ما كان بين المعتزلة وأهل الحديث وكذلك بين الحنابلة والأشاعرة والتي كان محور الاختلاف فيها حول استخدام العقل في تفسيرات النصوص خاصة ما يتعلق بالإلهيات؟     • حصل ذلك قديماً وحديثاً: فقديماً كان الخلاف بين الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- والمعتزلة، بين ما يراه المعتزلة منهجاً عقليا وما يراه غيرهم منهجا اتباعيا سنيا، يقتصر على ما أُثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته وسلف الأمة المزكى من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وعدم الخوض فيما سواه، فإنه يسع المتأخر ما وسع المتقدم. فلما خمدت الفتنة، وفكك الاعتزال بمنطقه، ذهبت مشكلة المعتزلة وصارت القضية بين أهل السنة. وفي العصر الحديث بُعثت الحنبلية في صورة قريبة من صورتها القديمة، في التمسك بالمأثور والازورار عن الرأي.• لكن العقل كانت له شطحات وآثار خرج بها عن دوائر الثابت من الدين خاصة في أمور الغيبيات؟ أليس هذا كافياً للنظر بريبة إلى آثار العقل؟• الغلو ما ينبغي أن يصد عن إتيان البيوت من أبوابها؛ فإذا خشينا شطحات العقل فينبغي أن نخشى أيضاً شطحات النقل، أي الجمود الذي يفضي إلى تعطيل العقل الذي جعله الله مناط التكليف، وتعطيل مقاصد الشرع، على وجه ينافي حقيقة الفقه بدين الله. الجمود على كل ما أثر عن الأولين، ممن ليسوا من أهل العصمة، من غير تمحيص ولا فقه، وبغض النظر عن قيمته العلمية. وإذا تطلبنا الحقيقة بالمنهج العلمي الصحيح فسوف نتوسل بالوسيلة في حدودها. ونحن حين نتحدث عن المنهج العلمي، وعدم تحكيمه كما ينبغي لا نعني العلم الشرعي وحده، وإنما نعني العلوم كلها، ومجالات الحياة المختلفة التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم". فهذه لا معنى لأن نخشى إعمال العقل فيها. وأحسب أن عدم إعماله فيها من أسباب عدم توجه العلوم الإسلامية وجهة كالتي اتجهتها العلوم في النهضة الأوروبية، إذ كان العقل حرا طليقا في بحث الطبيعة والحياة كلها لا يقيده شيء، على حين قيد العقل الإسلامي بقيود، ليس هنا مجال الحديث عنها، فاقتصر على دراسة العلوم الشرعية وما له صلة بها، وعول في دراستها على الطريقة التي ذكرت آنفا. ثم إن أحكام الشرع نوعان: تعبدي، لا مجال للعقل فيه أصلاً، وإذا فكر فيه المفكر فإنما يبحث عن حِكَمه وأسراره، لا ليقيس عليه ويجتهد فيه؛ إذ لا مجال للعقل ولا الاجتهاد فيه. وما أعرف أحداً اجتهد في أن يقيس عدد ركعات صلاة على عدد ركعات صلاة أخرى، لأن المسألة تعبدية لا مجال للعقل فيها. وجانب غير تعبدي، بمعنى أن علله معقولة، وهو الذي ينبغي أن يكون المعول في البحث عن علله والقياس عليها على العقل؛ فالشرع نصوص، بعضها ظني الدلالة، والعقل هو الذي إليه تبيُّن دلالتها، وتبيُّن مراد الله منها. وحين يقول المرء إن بعض العلماء لا يحكم العقل مراده أنه يقتصر على تطبيق هذه النصوص كما طبقت في التاريخ، وفهمها كما فهمت، بل الاقتصار على بعض الفهوم دون بعض، من غير اعتبار للمقصد، ولا لاختلاف الزمان والمكان، وحين يقول إن عالما يحكم العقل في النص مراده اعتبار هذه كلها، لا أنه يلغي النص ويعول على رأيه المجرد.• وماذا عن المراجعات الفكرية لبعض الرموز الإسلامية كالغزالي والتي انتقد فيها الفلسفة القائمة على المنهج العقلي وشنع على الفلاسفة في بعض كتبه. ألا يؤيد ذلك أطروحات المناوئين لاستخدام العقل في التشريع الإسلامي؟• ما أظن ذلك؛ فالإمام الغزالي حين أهوى على الفلسفة أهوى عليها بمنطقها، بمعنى أنه لم يكن يذكر قول الفيلسوف ثم يدفعه بما يخالفه من الكتاب والسنة، وإن كان دافعه في ذلك الدفاع عن الشرع، والاحتجاج له، ودفع ما يخالفه. والفلسفة يمكن أن تفهم على معنيين: التفكير، ونتاج التفكير. فالتفكير بمنهجه العلمي لم يتخل عنه الغزالي في حياته كلها، أما نتاج التفكير فيحق لكل امرئ أن يكون له فيه رأي، وهو الذي نقض الإمام الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة). • هل يمكن أن توجد دوائر خاصة بالعقل ودوائر خاصة بالنقل لدرء التعارض بينهما إذا حصل؟ • ما أرى أن العقل والنقل الصحيح يمكن أن يتعارضا، لكن الذي يتعارض هو فهومنا نحن. وإذا كان الشرع حقيقة، وما يتوصل إليه العقل حقيقة، فالحقيقة لا تعارض الحقيقة. ويجب أن نميز العقل الذي نعنيه من العقل الذي يعنيه غيرنا، أي العقل الذي يعنيه الملحد والمرء المتحرر من الدين، والعقل الذي يعنيه المسلم المتقيد بالدين؛ فالعقل الذي يعنيه المسلم، في مجال الشرع، وظيفته أن يستنبط الحكم لا أن ينشئه؛ لأن العقل لا يشرع من دون الله، والعقل الذي يعنيه المتحرر من الدين هو عقل مطلق من كل مرجعية دينية؛ والعبرة فيه بما يتوصل إليه.• أشرت إلى المدرسة السلفية المعاصرة والتي هي امتداد للمدرسة الحنبلية التاريخية. هل ترى أنها كذلك رسخت الحساسية المفرطة تجاه العقل؟• نعم؛ لأن المدرسة الحنبلية كان أكثر ما تعنى به النصوص (الكتاب والسنة)، ومحاولة فهمها في حدود الظاهر. ومن حسناتها العودة إلى نصوص الوحي بدلا من الوقوف عند أقوال متأخري العلماء وترداد ما في المتون والحواشي، لكنها قصَّرت في تعلم العلوم العقلية؛ فكانت أشبه بالظاهرية. وصادف ذلك منها حالا فكرية وعلمية واقتصادية معينة في العالم الإسلامي، فكان ما تذهب إليه أقرب إلى قلوب بعض المصلحين الذين سئموا طرائق التعليم القديمة في العالم الإسلامي، فرأوا أن العودة إلى النصوص هي ما يقتضيه الإحياء والنهوض، والبقاء على الطرق التقليدية لا يفضي إلا إلى ما قد أفضى إليه من التخلف. وإن كان المصلحون يختلفون في التفاصيل، بحسب منازعهم الفكرية، وبيئاتهم وخلفياتهم العلمية. ·       دكتور النصوص التي ترفع من شأن السلف الصالح وقربهم من الوحي فهماً وسلوكاً يجعل العلماء والمفكرين متهيبين من مراجعة أقوالهم وإعادة قراءتها والبناء عليها فضلاً عن معارضتها ونقضها؟ كيف لنا أن تجاوز هذا الحرج؟• ما ينبغي أن يحكم أهل قرن في علم دون أهل قرن آخر، مهما بلغوا من الفضل، فـ"لم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّ به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر"، كما قال ابن قتيبة. والسلف ليسوا مصدراً من مصادر التشريع وإنما فهمهم واجتهادهم هو فهم أهل حقبة مباركة واجتهادهم، وقد يأتي من هو أعلم من بعضهم، فيخالفهم، فلا يكون رأيهم أولى بالقبول من رأيه، لأنهم سلف وليس من السلف. وقد اختلف السلف في كثير من المسائل، فبأي أقوالهم يؤخذ، إذا كانت مخالفتهم لا تجوز؟ هل كلها صواب وقد تكون متناقضة أو مختلفة؟ ثم ما الذي جعل الاجتهاد حقا للسلف دون غيرهم، وهم جميعا مخاطبون بالشرع؟ أظن أن ثمة فهما أدى إلى هذا، وهو فهم غير دقيق، فإن الذين قدموا أقوال الصحابة مثلا على غيرهم رأوا أنهم مظنة أن يكونوا أعلم بملابسات تنزل الوحي، وأعلم بمقاصد الشارع، بسبب معاصرتهم له، فذلك أدعى إلى أن يكونوا أفقه بمراده ممن لم يعاصره وإنما روى نصوصا لم يشهد تنزلها. لكن إذا دونت الملابسات واتضحت، وجمعت النصوص ومحصت، وصح العلم وتوافرت شروط الاجتهاد كان الأولى بالصواب هو الأفقه والأقوى حجة، بغض النظر عن الزمن، فلا عبرة بالزمن في ذاته.• وهل نحتاج إلى ثورة فكرية عقلية لمراجعة تراث السلف وأخذ مايصلح؟• الثورة تفهم -عادة- على أنها نسخ لما قبلها واستحداث مطلق لحياة جديدة، وإنما أقول: تراثنا فيه عناصر جيدة وإيجابية قطعاً نستطيع أن نتكئ عليها ونطورها حتى نستطيع أن نتلافى السلبيات التي غرق فيها فكرنا، والرجوع إلى المنهج العلمي المحكم لا بد منه. تحدث الشيخ محمد الطاهر بن عاشور –رحمه الله- عن الذين يدعون إلى الاستمساك بأقوال السلف فقال إنهم غفلوا عن أن السلف كان فيهم من الشجاعة مالم يكن فيمن يقلدهم. فلماذا لا نقلدهم في شجاعتهم في فهم الشرع؟ لو أن مجتهداً مطلقاً اجتهد بمثل اجتهادات عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في العصر الحديث ما قُبل منه ذلك،  وإن كان مقلداً له في نهجه، لكنه انتهى إلى نتيجة لم ينته إليها أحد قبله. والعبرة بالمنهج لا بالنتيجة.• وما هي أهم ملامح هذه المنهجية العلمية التي تدعو إليها؟أهمها النقد والتمحيص واستصحاب المقصد الشرعي دائماً في كل الأمور، فلا يمكن أن ننزل نصاً على واقع مغاير للواقع الذي نزل فيه من غير أن نستصحب مقصد الشارع وما أراد تحقيقه من النص. وفي هذا السياق لا بد أن نعرف أن مقصد الشرع هو جلب المصلحة ودرء المفسدة، فإذا نحن طبقنا نصاً شرعياً على واقع معين ثم أتى بنتيجة غير التي يقصدها الشرع فهل نقول إننا فقهنا النص؟ كان مالك بن بني -رحمه الله- يسمي الأفكار التي تنزع من سياقها "الأفكار القاتلة"،  والأفكار التي تخذل أصلها "الأفكار الميتة". والاجتهاد الذي لا يحقق مقصد الشرع يمكن أن يسمى اجتهادا قاتلا واجتهادا ميتا؛ لأنه انتُزع من سياقه التاريخي، وخذل أصله، أي مقصده الشرعي. لو أن عمر -رضي الله عنه- أعطى المؤلفة قلوبهم، وقسم سواد العراق على الفاتحين كما تقسم الأموال المنقولة لخذل المقصد الشرعي، وهو إعزاز الإسلام في وقت ضعف المسلمين، فأظهر الإسلام ضعيفا وهو قوي، فصار العطاء أمرا تعبديا، لا يعقل وجهه ولا غايته، فلما منعهم دل منعه على عقله وفقهه. ولو قسم أرض السواد لجعل المال دولة بين الأغنياء، أو صنع نظاما إقطاعيا، ترث فيه العجوز الأموال الطائلة والمسلمون يتضورون جوعا، وجيوشهم ودولتهم لا تجد ما تسير به شؤونها، وهو خلاف مقصد الشرع. هذا هو المنهج العلمي، أو العقل الذي أعني.• ظهرت بعض المراجعات للتراث بعضها أسرف في التخلي عن أحكام الشريعة والبعض الآخر حاول تطويعه والكل هوجم بالعلمانية والتأثر بالغزو الفكري. كيف يمكن أن نتيح بيئة مشجعة للإبداع والتجديد مع المحافظة على محكمات الشريعة؟ • أولاً الهجوم على الفئات المجددة ليس جديداً، فالمرء مفطور على إنكار ما يجهل، كما قال الإمام الغزالي –رحمة الله عليه-: حتى لو أن جنينا قيل له إن خارج الرحم ما هو أوسع منه، لأنكر. وليس يضع من اجتهاد المجتهد أن يُهجم عليه أو يتهم، وقد قال الإمام الغزالي أيضا لأحد تلاميذه، شكا إليه مما يقال فيه: "استحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف"؛ فإنما يكفر ويحسد ذو العقل النشيط الذي يفكر ويبحث عن الحقيقة، والذي يكفره هو الكسل الذي يستنكر ما لم يألف أو يبلغه عقله. هذا إلى أن كل من اجتهد كان عرضة للخطأ. والذي لا يفكر لا يخطئ.والذي يقضي على هذا -كما يبدو لي- هو تطوير التعليم، بحيث يتوجه إلى بناء العقول، وأحوج الناس إلى بناء العقول المستنيرة المتميزة طلاب العلم الشرعي. وإذا بنيت العقول بناء صحيحا، صح منهج التفكير، وصحة منهج التفكير من أسباب التوافق أو التقارب، وتزكية النفوس بأخلاق العلم؛ لأن من عانى معضلات المعرفة، وعرف نسبيتها في كثير من العلوم كان أولى بالمعذرة في الخلاف، ومن لم يعانها حسب أن الحقيقة المطلقة ما عرف، وسواها هو الضلال.   ·       دكتور أنت ترفض "تفسير تخلف المسلمين بضعف الإيمان والبعد عن الله" وهي مقولة درجنا عليها فترة من الزمن ولازلنا، وتقول بأنه "موقف عاطفي سطحي".. أليس صلاح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها؟• نعم في رأيي أن سبب تخلفنا هو تخلف المنهج العلمي وفساد الثقافة، وفساد الثقافة جعلنا نفكر تفكيراً نجتر به الموروثات السلبية في حياتنا عامة، وفي المجال العلمي خاصة. وعدم وجود المنهج العلمي أثر من آثار هذه الثقافة التي جعلتنا نحفظ ولا نعي، وجعلت نتاجنا اختصارا لما قد طول، أو شرحا لما قد اختصر، أو نظما لما قد نثر. ولو أننا قارنا عصور الازدهار في التاريخ الإسلامي بعصور التخلف وأسباب كل منهما فلن نجد فيها قوة الإيمان أو ضعفه، في المقام الأول، بل ما اتسم به العقل من النشاط والتوثب والنقد والتمحيص والبحث عن الحقيقة، أو خبو كل ذلك. وخذ مثالاً: العصور المتأخرة قبل مجيء الاستعمار، هل غلب عليها الفسق والبعد عن الله حقيقة؟ وإذا فرضنا أن هنالك فسقاً وبعداً عن الله فلم لم تكن الجماعة التي كانت على تقوى من الله وقرب منه (الطائفة المنصورة) أكثر تقدماً وتحضراً من تلك الغارقة في الفسوق والغفلة؟ لو كانت القضية قضية قرب من الله أو بعد عنه لكان القريب من الله أكثر انفتاحاً وأكثر نتاجاً وأحسن حالاً، لكن الفئتين كانتا متساويتين في مقدار التخلف. نحن نعلم أن منارات مشهورة كالأزهر، والجامع الأموي، وجامع القيروان، وجامع الزيتونة، وجامع القرويين كانت عامرة بالعلماء الربانيين العاملين، ومع ذلك استعمرت بلاد المسلمين كلها، ما اتسم منها بالتخلف الإيماني وما اتسم بالتقدم. ثم: هل العالم المتقدم في جانب المادة أقرب منا إلى الله، وهو يكفر به؟وهذا لا يعني أن قوة الإيمان والقرب من الله ليس مطلوباً، بل هو واجب، كائنة ما كانت نتيجته، فكيف إذا كانت محمودة، لا ريب، فالله تعالى (أهل التقوى وأهل المغفرة). وتعجبني عبارة للنووي -رحمه الله- يقول فيها إن طاعة المرء لربه ما ينبغي أن تكون من أجل ما يترتب عليها من النفع، فهذه طاعة العبيد، أما طاعة الصالحين فأن يعبدوا الله لأنه أهل التقوى وأهل المغفرة. ولي مقالة نشرتها منذ أعوام، ذكرت فيها أن ربانية المسلمين كانت من أسباب طيهم للزمن، وتقدمهم في العلوم تقدما مذهلا، بحيث كان بعضهم إذا تصدى للعلم اهتدى إلى قواعده كلها أو جلها، والعادة في العلوم أنها إنما تتقدم بتراكم الجهود عبر حقبة زمنية قد تطول. 

 

إحصائيات وخيارات :
عدد الزيارات : 1000
عدد الردود : 0
إضافة تعليق
أرسل لصديق
طباعة
أخي الزائر لا يمكنك إضافة تعليق ألا بعد أن تقوم بالتسجيل في الموقع
جميع الردود التي يكتبها أصحابها في الموقع تعبّر عن وجهة نظر كاتبيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الموقع وإدارته .
التعليقات على المقال :

لاتوجد تعليقات على هذا المقال حتى الآن ..

عدد الزيارات : 2899389

جميع الحقوق محفوظة 2018 © - لساوث مول ™