|
بقلم الاستاذ علاء برقان
ماريـــا .. النموذج الفريد ..
قد يصعب حصر أو تعداد المواقف واللقطات التي مررنا بها في رحلتنا التي أكرمنا الله بالمشاركة فيها ولكن بعضاً من تلك اللقطات يبقى راسخاً في أذهننا لا يمحوه طول زمن أو بعد مكان ..
ومن تلك اللقطات ما حصل معي شخصياً عندما كنا منطلقين من مدينة دمشق السورية باتجاه مدينة اللاذقية .. ( بناءً على الرفض المصري لدخول القافلة من ميناء نيوبع والذي كنا على اعتابه بذريعة تحقيق مفهوم " السيادة " والسماح لها بالدخول عبر طريق واحد وهو ميناء العريش مما يستدعي قطع القافلة الالاف من الاميال لتحقيق هذا الطلب التعجيزي ولكنها الرغبة الجامحة لدى اعضاء القافلة والذين جاؤوا من 17 دولة للوصول الى وجهتهم مهما كانت العوائق والصعوبات فعادت القافلة ادراجها باتجاه سوريا من مدينة العقبة باتجاه ميناء العريش مروراً بميناء اللاذقية ) ..
كان منظر انطلاق القافلة بسياراتها وشاحناتها من مدينة دمشق مهيباً يبعث في النفس السرور والاعتزاز وكان الأجمل من ذلك منظر الاخوة الاشقاء قي سوريا حينما اصطفوا بعفوية متناهية على جنبات الطريق لتقديم التحية للقافلة . .
حينها اتصل بي أحد زملائي في القافلة وكنت أقود سيارة محملة بالأدوية والمستلزمات الطبية وأسير في مقدمة القافلة الأردنية المرافقة لحملة شريان الحياة 3 وأخبرني بأن أحد سياراتنا قد تعرضت لخلل فني مما استدعى توقفنا على جانب الطريق لانتظارها ، في تلك اللحظة توقفت أمامي سيارة ركاب صغيرة سعة محركها ( 800 cc ) وخرج منها شاب سوري في الثلاثينات من عمره وتوجه نحوي فظننت للوهلة الأولى أنه من رجال الأمن السوري الذين رافقوا القافلة يريد أن يستفسر عن سبب توقفنا أو أنه يريد توجيه التحية لنا شأنه شأن الالاف من الذين أجبرتنا الحكومة المصرية على رؤيتهم نتيجة تغيير مسير الرحلة ( وهذا من حسن حظنا أننا رأينا أناساً مازال ضميرهم حياً ومسيقظاً تجاه أمتهم وقضاياها المصيرية ).
سألني صديقنا المحامي_ فارس المظلوم -عن وجهتنا فأخبرته بأننا ماضون باتجاه غزة عبر ميناء اللاذقية فأعلمني بأن لديه في منزله كرتونة يريد أن يوصلها الى قطاع غزة من خلالنا فكان من الطبيعي أن أسأله عن محتوياتها فكانت المفاجأة الأولى عندما أخبرني بأنها عبارة عن مجموعة من ألعاب الاطفال أجبرته ابنته الصغيرة ( ماريا ) على شرائها عندما تابعت مع والديها أخبار وصول القافلة الى دمشق وعلمت بعبورها عبر الاراضي السورية باتجاه القطاع فأصرت عليهما الخروج في وقت متأخر من الليل لشرائها وارسالها الى اطفال القطاع .
تأثرت لهذا الموقف الطفولي المعبر ولكني اضطررت للاعتذار منه بكل أدب بعدم استطاعتي الانتظار طويلاً كوننا مضطرون من المسير بشكل جماعي مع القافلة وعدم تجزئتها حيث أن مسافة الطريق طويلة فيما بين دمشق واللاذقية ( ما يُعادل بُعد العقبة عن عمان ) فطلب مني رقم هاتفي لكي يتواصل معي وكنت في تلك اللحظة متأكداً من أنه سيقوم بالتذرع والاعتذار لطفلته بأنه لم يستطع اللحاق بنا الا أنني أعطيته الرقم وودعته ومن ثم انطلقنا بالقافلة .
قطعنا الأميال الطويلة وأصبح الوقت قريباً من العصر فإذ بصديقنا المحامي يتصل بي ويسأل عن مكان وصولنا فأخبرته بأننا على بعد 150 كيلو من اللاذقية فظننته أراد أن يتأكد أننا قد غادرنا دمشق وقد قمنا بحل مشكلة سيارتنا المعطلة .. واصلنا المسير واصبحنا على مشارف اللاذقية قبيل أذان المغرب وكان لحظتها أصيب احد اطارات السيارات المرافقة لنا فاضطررنا للتوقف لاصلاحها ، بدأ هاتفي يرن وكان المتصل أيضاً هو صديقنا المحامي مستفسراً عن مكاننا مرة أخرى فأخبرته بأننا أصبحنا على مشارف اللاذقية وعندها كانت المفاجأة الثانية عندما أخبرني بأنه على بعد خمس دقائق منا ,, أخبرته بأننا سننتظره ولن نتحرك وعندما بدأ الليل يرخي سدوله وما إن مضت الخمس دقائق إلا وصاحبنا بسيارته الـ ( 800 cc ) يضيئ لنا بالأنوار وعندها كانت المفاجأة الكبرى والتي لم أتمالك نفسي أمامها عندما نزلت الطفلة ماريا ذات الأعوام الخمسة وهي كالملاك الطائر وقد امتلأت قسمات وجهها فرحاً وسروراً بلحاقها بنا لكي تحملنا أمانة لم أشعر بثقل حمل كل القافلة مقابل حملها .. طبعاً ليست بقيمتها المادية ولكن بنقاء وصفاء قلب صاحبها .. كنت أرى في عيني ماريا أشياءً لم تستطع النطق بها لحداثة سنها ولكنها فعلت ما عجز عنه رجالٌ كثيرون .. قال لي والدها بأنها أصرت عليه ان يصطحابها وان تلحق بنا رغم طول المسافة والتي تقدر بـ 375 كيلو ، حاولت كبت مشاعري قليلاً ولكنها ما لبث وانفجرت لحظة مغادرة هذه الصغيرة ووالدها المكان ..
طيف ماريا الصغيرة ما زال يلازمني حتى هذه اللحظة ومشهد وقفها على شباك سيارة والدها ترمقنا ما زال يثير في نفسي تساؤلاً مشروعاً ..
ما الذي دفع بطفلةٍ كماريا المظلوم للاصرار على والدها لاصطحابها وقطع هذه المسافة لتقديم هذه الهدية لأطفال غزة ؟!
في نفس الوقت الذي يقوم فيه بعض أبناء جلدتنا ببناء الجدران ووضع العراقيل أمام لقمة عيش ودواء وألعاب أطفال غزة !!
ماريا المظلوم نموذجٌ فريد .. ولكنه ليس الوحيد .. حماكِ الله يا ماريا
*عضو الوفد الأردني / قافلة شريان الحياة 3 .
|