|
2010-01-13
لم يقف المشهد السياسي في الخليج العربي عند تصريح مهم لمؤشرات وضع العلاقات الإيرانية الأميركية في المنطقة, وبالذات مستقبل المفاوضات المعلقة وانعكاساتها على مستقبل الخليج خاصة أن هذا التصريح حديث, مما يُدلل على أن التواصل الأميركي الإيراني لا يزال دافئاً في بعض الملفات, وهو ما نشر عن الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة, وزير الخارجية البحريني, وتطرق له الزميل عبدالخالق عبدالله في صحيفة «العرب» القطرية حين أعرب الوزير لبعض الإعلاميين في حوار المنامة الأخير الذي كان قريباً من أحداث التاسع من محرم عن احتجاجه واندهاشه من وجود جلسات مفاوضات سرية عُقِدت بين واشنطن وطهران على هامش المؤتمر, في غياب كامل عن الحضور الخليجي ودون أي إخطار أو إحاطة لدول مجلس التعاون الخليجي.
وإضافة إلى ما يؤكده هذا الموقف عن الدور المزدوج الذي تمارسه واشنطن على الخليج, وهو ما ذكرناه مرارا, وأن ما تطالبه بهم من تصعيد موسمي أو تهدئة إجرائية إنما يأتي في سياق مصالح واشنطن التي ستتعرض بالضرورة إلى تقاسم النفوذ في المنطقة, وبالتالي انعكاسات ذلك على أمن الخليج ببصمة أميركية إيرانية مزدوجة, وهذا ما يستدعي الدخول من جديد لاستعراض هذه العلاقة والملفات المشتركة لنتعرف على خريطة تقاطعات المصالح بين القطبين وتأثيراتها على الخليج العربي, مؤكدين على أن فلسفة المصالح هي التي تحكم الدول, لا ضجيج الصراع الإعلامي. ولكنني هذه المرة سأبدأ باستعراض الموقف من تباينات التقييم للعلاقة مع إيران وخلافنا مع بعض المثقفين العرب في هذا السياق من أنصار واشنطن أو محازبي طهران, وذلك لما نستشعره من ضرورة تجلية الموقف من هذا الجدل, خاصة في أوساط التيار الإسلامي والقومي وعموم الرأي العام العربي, وما القاعدة المهمة في تناول الملف الأميركي الإيراني توافقاً مصلحياً أو صراعاً, مستندين إلى أن هذه العلاقة هي المدخل لفهم أكثر العوامل تأثيرا على مستقبل منطقة الخليج العربي وأمنها القومي, وهي التي ابتداء صنعت التقاطع الذي أسقط العراق وأفغانستان تحت الاحتلال, وألهبت الحالة الطائفية في المنطقة, وانتهاء بتأثيرات هذا الاستقطاب الطائفي والسياسي والعسكري للحركة الحوثية في اليمن.
إن هذا الموقف الإسلامي العروبي الذي ننطلق منه يقف بين رؤيتين إعلاميتين يطرحهما فرقاء الخطاب العربي المرتبط بهذه القضية.
الأولى: الانجرار وراء الموقف الأميركي وحلقة من المدار العربي الرسمي المؤيِّد له بالمطلق, بما فيه التقاطع مع خطاب الكيان الصهيوني, وإن كان ذلك يُسوَّق في الأوساط العربية لهدف استهلاكي, وتبقى هناك استراتيجية إدارة خاصة لواشنطن مع طهران, هذا الموقف يتلخص باعتبار الأميركيين حليفاً مشروعاً ضد إيران بحسب موجات التصعيد الإعلامي ومقتضيات الصراع أو الصفقة, والخطير في هذا السياق استخدام الخطاب المذهبي لخدمة هذه الرؤية.
أما الرؤية الثانية وهي التي يتبناها المنحازون للمشروع الإيراني, وهم صنفان, الأول موظَّف كلياً في مدارها لأسباب طائفية أو مصلحية أو أيدلوجية تحمل عُمقاً تاريخياً من الخلاف مع الفكر الإسلامي السني وبعض جغرافيته, وبالتالي الوقوف في مواجهته, وإن كانت هذه الشخصيات أو المؤسسات في الأصل ليست ذات توجه ديني, بل سياسي. أما الصنف الثاني من أنصار إيران فهم المتأولون كردة فعل على الموقف العربي الرسمي المنحاز ضد المقاومة, والمتحالف كلياً مع واشنطن, وهو يضمُّ شخصيات فكرية إسلامية وقومية محل احترام وتقدير وتتفق مع المحور الإسلامي المستقل في قضايا أخرى, وهو ما يستوجب عدم افتعال المعارك والصراعات الفكرية مع هذا الفريق الثاني, واتساع صدر محور التيار الإسلامي العروبي المستقل لهذا الاختلاف حتى ولو كان لا يتسع صدره لطرح الفكرة المخالفة له.
منظور الخلاف مع إيران في الرؤية المستقلة
إن موقف المحور الإسلامي العربي المستقل من قضايا الصراع مع الجمهورية الإيرانية يختلف كُلياً عن المشروع الأميركي, فليس هناك فزع ومشكلة مركزية مع المفاعل النووي الإيراني, ولا نرى مُبررا لأن ينساق الموقف خلف حفلة التضخيم والإرجاف التي يمارسها الأميركيون والأوروبيون بشأن هذا الملف, وبالإمكان مواجهة الارتدادات البيئية بالتنسيق مع إيران دون وكالة الأميركيين, ليس لأن هذا المحور المستقل يجهل مخاطر السلاح النووي, لكن لكونه يعلم أن الترسانة الأخطر والأشمل يملكها الكيان الصهيوني, وأن قضية استخدام السلاح النووي ضد مناطق مشتركة بين الإيرانيين والعرب في الخليج هي فزّاعة لا تتطابق مع القراءة العلمية والتحليل الواقعي لخطورة هذا السلاح الذي لم ينضج بعد على شعوب المنطقة, وأن هناك قضايا قائمة على الواقع بين العرب وإيران أهم بمراحل من جلبة الملف النووي.
طرح الملفات بالمنظور الواقعي
وبناء على ما تقدم فإن هناك ملفات هي الأكثر إلحاحاً, في فهم الاستراتيجيات علينا أن نعيد التوقف عندها للفهم, فمع كل أجواء الصراع التي نستمعها الآن.. هل بالفعل ترغب أو تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تستغني عن دعم الجمهورية الإيرانية للعملية السياسية القائمة في العراق؟. الجواب يبدو واضحاً بأن الشراكة التي أسقطت العراق لا تزال قائمة في دعم العملية السياسية الحالية ولا يمكن لواشنطن أن تقبل بانسحابٍ إيراني كامل من هذه العملية السياسية, وبالتالي اهتزاز مشروع الاحتلال وتقدُّم المشروع الوطني للمقاومة الإسلامية الوطنية العراقية.
أما الملف الثاني الذي انعكس في الرسائل المكثفة المتبادلة بين واشنطن وطهران في آخر عهد الرئيس جورج بوش الصغير, وعهد أوباما, التي تؤكد على اتفاقهما على موقف استراتيجي موحَّد لمنع عودة طالبان, وتكريس بقاء العملية السياسية المتصدعة في كابل بقيادة كرزاي أو ببديل مختار من الطرفين. في هذا الصدد نستذكر حديث الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي أكد فيه تلقي هذا الطلب الأميركي واستعداد إيران للتجاوب معه, وللمفارقة فقد كان تصريح الشيخ رفسنجاني في أحد مؤتمرات الوحدة الإسلامية!.
هذان الملفان في الرؤية المستقلة ألا يستحقان النظر في تقييم الموقف؟ ثم نضيف التدخل في الحالة الوطنية للخليج, وتحويل الطائفية السياسية إلى مهدد للاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي يُبرر به التدخل الدولي كملف ثالث من الخلاف مع الجمهورية الإيرانية التي تُمثِّل موقف المحور العربي الإسلامي المستقل من الخطاب والسياسة الإيرانية التي أفضت لتأزيم العلاقات المذهبية في الوطن العربي وتصعيد خطاب الكراهية والانتقام الطائفي, إضافة إلى ما تعانيه الأقاليم والأقليات السنية, وما تسببه حالة الاضطهاد من فتن بين العرب والعجم, أو بين العجم والعجم, وبين العرب والعرب, على أسس مذهبية أو قومية. وللحديث صلة غداً بإذن الله.
|