- التحليل الاقتصادي لتطبيق التورق في المصرفية الإسلامية- سؤال اللحظة : موريتانيا إلى أين تسير؟- دعوة للتضامن مع ولد صلاحي وأحمد ولد عبد العزيز
أصلي عليك..في ذكرى المولدرسالة الى رئيس موريتانيارسالة الى رئيس موريتانيا

القائمة الرئيسية


هذه اللحظة

المتواجدون حالياً 10
الأعضاء 0+ الزوار 10
زيارات اليوم
192
زيارات الأمس
159
عدد الأعضاء 202

أكبر تواجد كان بتاريخ
07-04-19 (03:44)
2942152 زائر


اتصل بنا


بريد الموقع

للتواصل مع الموقع فقد تم تخصيص بريد خاص بالموقع .

info@manarebat.com


أهداف الموقع

عرض أهداف الموقع


إحصائيات

الأقسام 20
الأخبار المحلية 0
صوت المواطن 0
المقالات 5942
القراءات 1240615
الردود 4


سجل الزوار


ابحث في الموقع

البحث في القسم
البحث في المقال


القائمة البريدية

اشتراك
انسحاب


شكل الموقع


القسم : اقتصاد ومصارف اسلامية
لا استقرار مع الربا


لا استقرار مع الربا


 

د. محمد منا الشيباني

المتتبع لتاريخ الاقتصاد, سيرى أن السلع, والمعادن, والأوراق استخدمت كنقود قبل أن تظهر النقود التي وصلت إلى شيء مجرد لا تتجسد فيه المادِّية، لكنها كتابة أرقام في حسابات الكمبيوترات وشحن إشارات في البطاقات الإلكترونية. ظن الإنسان أنه توصل أخيرا إلى أخلص وأفضل وأجمل وأضمن نظام اقتصادي يساعده في ذلك التقدم العلمي والصناعي. كل هذا النظام مبني على جانب فلسفي وجانب عملي. الجانب الفلسفي يقوم على: الحرية المطلقة, البحث عن الربحية فقط, السوق تقوده اليد الخفية, حب المال حبا جما, ودُولة بين الأغنياء. أما الجانب العملي فإنه يقوم على: القروض بالربا, - بيع الشيء بالشيء بالفضل وبالنسيئة, الديون أصبحت مالا يباع ويشترى, خلق مال من المشتقات لا ينبني على أصول حقيقية, بيع الدين بالدين, الرهون غير المقبوضة, بيع ما لم يُملك, والتعامل في العمليات الصورية بخلق أسواق موازية وهمية.

إذا أخذنا مخزون ديون دولة ما ووزعناه إلى جزءين: جزء يخص الديون المتعلقة بتمويل الموجودات الحقيقية, وجزء يخص الديون التي لا يقابلها أي موجود حقيقي ولكنها مُـتعلقة بتمويل تداول الديون وأخواته من الأشقاء كأنواع المشتقات, سنكتشف واحدا من معاني "أضعافا مضاعفة" التي وردت في القرآن. وسنكتشف أن الجزء الأخير مبني على كل ما قد حرمت الشريعة الإسلامية من الصرف بلا قبض, والاقتراض لشراء المستندات المبنية على الديون, والاقتراض لشراء المشتقات كالمستقبليات والخيارات. شاءت الأقدار أن الاقتصاديين الغربيين يسمون هذه المحرَّمات, عن غير قصد, الدُّيون السَّامَّة. إنها فعلا كذلك ديون ربوية سامة قد أمرنا الله أن ننتوقف عنها لحكمة بالغة.

من غير شك أن عملية إصدار النقود الائتمانية أسهمت في رفع المستوى الاقتصادي وفي رفاهية العالم الغربي وغيره, ولكنها أيضا أفرزت أزمات منتشرة إلى كل العالم من تضخم, وديون عالية, وإفلاس. فماذا فعلت الدول العظمى لحل هذه المشكلة؟ فعلت فعلة الأمم من قبلهم. خلقت نقودا هائلة من لا شيء لتسعف بها مؤسساتها العظيمة التي أذن الله عليها بحرب وبمحق شـوهِدا على مرِّ التاريخ. لا بد للمتطلع لتاريخ الأزمات الاقتصادية أن يتأكد من وقوع الوعيد الدنيوي الذي جاء بصراحة لا لبس فيها في القرآن والحديث. هل من متنبه؟ كل يوم يعطينا أمثلة من المَحْقِ والقـِلَّة في التاريخ البعيد والتاريخ الحديث وفي أيامنا هذه. ولكن كثيرا من الناس لا يعقلون. أفلا يتذكرون ما جاء في الكتاب والسنة؟ أفلا يتفكرون في قوم مدين؟ أفلا ينظرون إلى الأزمات الماضية والحالية؟

حملة مرعبة على الربا في القرآن والسنة وردت في القرآن الكريم آيات تُذكِّـرنا بخطورته, وبوعيد يخاف منه كل عاقل, وكذلك جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تبين وتوضح هذه الخطورة.

-1 خطورة الربا في القرآن:"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" ( البقرة 275)."يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ" ( البقرة 276). "فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ" ( البقرة 279).

-2 خطورة الربا في السنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهداه، إذا لمسوا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة".

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات."

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله".

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة".

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الربا سبعون بابا، والشرك مثل ذلك". وفي رواية لابن ماجه: "الربا ثلاثة وسبعون بابا".

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم".

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بين يدي الساعة يظهر الربا والزنى والخمر".

  • قال النبي الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من غباره".

-3 من أقوال الصحابة: - قال علي رضي الله عنه: التاجر إذا لم يكن فقيهاً، ارتطم في الربا ثم ارتطم، ثم ارتطم.

  • قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: شر المكاسب كسب الربا وشر المأكل مال اليتيم.
  • قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إن هذا الدرهم والدينار أهلكا من كان قبلكم، وإني ما أراهما إلا مهلكيكم.

  • قال ابن عباس رضي الله عنه: لما ضرب الدينار والدرهم، أخذه إبليس فوضعه على عينيه, وقال: أنت ثمرة قلبي وقرة عيني، بك أطغى، وبك أكفِّر، وبك أدخل الناس النار، رضيت من ابن آدم بحب الدنيا أن يعبدك.

أمثلة واقعة متعلقة بالربا -1 عقوبة قوم شعيب: وهي العقوبات الاقتصادية التي عاقب الله سبحانه وتعالى بها أهل مدين بعذاب يوم الظلة الذي أهلكهم بسبب نقصان الكيل والميزان وتبخيس أشياء الناس. قال الله:" وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم". (الأعراف: من الآية 85).

وقال الله أيضا: "وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط". (هود 84). ولما عَتا قوم شعيب عن أوامر الله, حل بهم العذاب, قال تعالى: "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين". (الأعراف 91), وقال الله في آية أخرى: "فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم". (الشعراء 189) .

-2 الأزمات الاقتصادية: إن المحق الذي ذكره الله قد يأتي على الفرد, أو على المؤسسات, أو على الدُّوَّل, أو عليهم جميعا. وقد يتمثل في الأزمات, والأمراض, والقلة, والإفلاس, والقلق, والجنون, والحروب .. إلى غير ذلك من العقوبات الدنيوية التي لا يعلمها إلا الله. أما العقوبة الأخروية فإنها آتية يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. سنقدم أمثلة من هذه الأزمات على المستوى الدولي نظرا لكون العالم أصبح مترابطا بدرجة عالية.

-3 الأزمات الرُّومية: الأزمات الرُّومِية بين القرن 1 والقرن 3 الميلاديين ناتجة في أغلبيتها عن استدانة الإمبراطوريات من الفضة بالربا المحرم في ديانتهم. وكانت الحلول المتوافرة عندهم تتمثل فى كَسْرِ النقود وغشها بمعادن كالنحاس والبرونز. الجدول التالى يعطى أمثلة من تصرفات أولياء الأمور من تخفيف وزن الوحدات الفضية ونقصان كميات الفضة الصافية المدرجة فيها.

  • 1797 أول أزمة مصرفية في العالم كانت أزمة نقدية في 26 فبراير 1797 قام فيها بنك إنجلترا العظمى بتعليق كل التسديدات في البنوك بسبب عجزها عن تغطية مبادلات زبنائها من الذهب، مما أدى إفلاس كثير من هذه البنوك.

  • 1925 بعد تكهنات واسعة حول الاستثمارات في دول أمريكا اللاتينية (البنوك، الأسلحة, تموين القوارب، وبناء قنوات...)، انهارت أسعار هذه القيم في بورصة لندن, ما أدى في عام 1826 إلى إفلاس كثير من المصارف، وحوالي 3300 شركة. هذه الأزمة أثرت أساسا في بريطانيا وكانت أول أزمة لسوق الأوراق المالية في التاريخ.

  • 9 مايو 1873 جاءت أزمة تسمى أزمة الكساد العظيم في فيينا، حيث انهارت سوق الأسهم تحت قوة المضاربات، مما تسبب في انهيار عدة بنوك في فيينا تحت وطأة الرهون العقارية. وانتشر "الكساد العظيم" في الولايات المتحدة وفي أنحاء أوروبا وعلى وجه الخصوص ألمانيا وبدأت فترة من الركود استمرت 23 عاما إلى عام 1896.

  • 1929 أزمة سوق الأسهم في بورصة نيويورك بين 24 و29 أكتوبر 1929 كانت انطلاقة فترة الكساد الكبير، وهي أكبر أزمة اقتصادية في القرن العشرين, لَمَّا سمحت بورصة وول ستريت للمستثمرين بشراء الأوراق المالية بالدين بتغطية %10 فقط, نتج عنها انخفاض إنتاج السيارات من 622 ألفا إلى 416 ألفا بين مارس وسبتمبر, وانخفض الإنتاج الصناعي بنسبة %7 ما بين مايو وأكتوبر. هذا التراجع يعود جزئيا إلى ظاهرة الاختناق لأن رأس المال المتاح يستخدم أساسا في أوراق البورصة بدلا من الاقتصاد الحقيقي. كان يوم الخميس 24 اكتوبر (ويسمى الخميس الأسود) هو يوم الذعر حيث لم يوجد أي مشتر وأظهر مؤشر داون جونز %22.6 من الانخفاض, واندلعت أعمال شغب خارج بورصة نيويورك. ما بين 22 أكتوبر و13 نوفمبر، نزل مؤشر داون جونز من 326.51 إلى 198.69 (%-39) وهي خسارة 30 مليار دولار، أي عشرة أضعاف ميزانية الدولة الفيدرالية الأمريكية, وأكثر مما أنفقت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية.

  • 1966 أزمة الائتمان الأمريكي بعد عدة سنوات من النمو الاقتصادي واجهت البنوك في الولايات المتحدة عجزا في السيولة نظرا للسياسة النقدية التي اتخذها المجلس الاحتياطي الاتحادي لاحتواء التضخم. أدت هذه الأزمة إلى سقوط أسعار الأسهم، وانخفاض السيولة, وارتفاع أسعار الفائدة, وتباطؤ حاد في النشاط الاقتصادي. وهي تعتبر أول أزمة حديثة تبعتها حلقات مماثلة 1969 و1974.

  • 1971 طلاق الدولار للذهب قررت الولايات المتحدة إنهاء علاقة الذهب بالدولار واعتَمِد نظام سعر الصرف العائم في فبراير 1973 ولا يزال ساريا اليوم. كان إيذانا بنهاية النظام المعروف باسم بريتون وودز وبداية نظام جديد يعمل باتفاقية جمايكا عام 1976 وهي التي فتحت الباب الواسع لتطوير هندسة التمويل وخلق ما يسمى بالمشتقات, وهي في أغلب الأحوال بُنيَّات الربا.

  • 1973 أزمة البترول ظهرت أزمة البترول وأصبحت البلدان النامية المثقلة بالديون التي تستخدم في المقام الأول لتغطية عجز الميزانية لا لتمويل الاستثمار. وقد زاد تفاقم الأزمة إبان الصدمة النفطية الثانية عام 1978. وكانت البنوك العالمية التي تستخدم رواسب هائلة من عائدات النفط المتاحة لها أكثر ميلا لإقراض هذه البلدان بسعر عائم وعلى المدى القصير.

  • 1994 الأزمة الاقتصادية في المكسيك كان لتثبيت سعر البيزو المكسيكي بالدولار وإزالة العقبات الاقتصادية دور مهم في حركة رأس المال الهيكلي، حيث دخل أكثر من 90 مليار دولار في الاقتصاد المكسيكي لتغذية طفرة في الائتمان المصرفي للقطاع الخاص الذي نما بنسبة %25 سنويا خلال هذه الفترة. لكن التضخم أدى شيئا فشيئا إلى تآكل القدرة التنافسية المكسيكية في البلاد, وتدهورت الحسابات الخارجية، وبدأ الدولار يخرج بسرعة فائقة وانكسر تثبيت سعر البيزو المكسيكي بالدولار. وتدخلت الولايات المتحدة والمنظمات الدولية بتقديم 50 مليار دولار بعد أسبوع من بداية الأزمة.

  • 1997 الأزمة الاقتصادية الآسيوية وهي مشابهة جدا للأزمة المكسيكية عام 1994. ثـُبِِّت الدولار الأمريكي مع العملات الإقليمية، ولا سيما التايلاندية (البات). قام الجهاز المصرفي المحلي بتسليف الدولار على آجال قصيرة من البنوك العالمية وقام بإقراضه بالعملة المحلية على آجال طويلة لتمويل العقارات وأوراق البورصة بضمانات تتألف من مبان أو أسهم مبالغ في تقييمها. سهلت السياسات النقدية التوسعية اليابانية تدفق رؤوس الأموال الأجنبية في المرحلة الأولى, لكن تلتها مرحلة ثانية وهي تراجع المستثمرين تدريجيا صاحبها تعويم السلطات التايلاندية عملتها (البات). ودخلت اقتصاديات المنطقة في فخ المكسيك: أزمة سعر الصرف والأزمات المصرفية.

  • 2000 أزمة تركيا حدث في تركيا ما حدث في المكسيك في الفترة 1990ـ 1994 من تآكل القدرة التنافسية بثلاثة أضعاف ما وصلت إليه المكسيك، وتدهور ميزان المدفوعات بسرعة، وتمركز الذعر في معدل الفائدة إلى أن وصلت فائدة السندات الحكومية التركية إلى %40, ثم إلى %110. وسرَّع توقعات إفلاس البنوك التركية تجفيف الرساميل وعدم تجديد القروض الأجنبية. سارع صندوق النقد الدولي بإعطاء قروض كشف الحال أنها غير كافية أمام تعويم الليرة التركية وانخفاضها بنسبة %50 مقابل الدولار. نتج عن هذا تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بصفة مباشرة في نطاق برنامج آخر لإنقاذ الاقتصاد التركي.

  • 2007 - 2008 الأزمة المالية الأمريكية والعالمية اندلعت الأزمة في صيف عام 2007 وهي تسمى أزمة الرهن العقاري بسبب القروض المعدومة أو المشكوك فيها داخل الولايات المتحدة الأمريكية, وبسطت يدها إلى كل المؤسسات المالية العالمية نظرا لترابطها وتشابكها في صناعة المال والقرض والاقتراض وما يتبعها من المشتقات. نزلت أسعار العقارات بنسبة هائلة وهبطت أسعار الأسهم في البورصات والمرافئ المالية. ضُخَّت سيولة ضخمة من آلاف مليارات الدولارات لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمم لإنقاذ النظام المالي والمصرفي القائم كإسعافات أولية. إن خطة بولسون في الولايات المتحدة لم تمنع من إفلاس أكثر من 100 بنك ولم تمنع تضرر صناديق التقاعد من خسارة تزيد على 2000 مليار دولار في سنة واحدة. والحقيقة, أن حصيلة هذه الأزمة لن تُعرف بكاملها إلاَّ بعد سنوات من الخروج منها. من غير شك أن العالم سيجد حلولا وقتيهة مبنية على الأسس نفسها لكنه لن ينجو من أزمات أخرى ما دام يستخدم الفائدة الربوية. كيف ينجون من أزمات والله وعدهم بالمحق والنبي صلى الله عليه وسلم وعدهم بالقلة.

الدورة الربوية الدورات الطبيعية موجودة في كل شيء: في النهار والليل، في الفصول، في نبضات القلب, في التنفس، في الإمبراطوريات التي تولد وتموت. الأسواق المالية والاقتصاد لا يمكن أن تفلت من الطبيعة الدورية للأشياء. إن فترات الازدهار, والأزمات والإفلاس، ليست نتيجة المصادفة فقط، لكنها ناجمة عن مجموعة من السلوكيات والأنشطة، وفي مقدمتها السلوك الادخاري للشعوب، والكيفية التي يستخدمون بها القروض الربوية.

كوندراتييف Kondratieff برهن على وجود دورات كبيرة في الاقتصاد، وأنها تتكرر ما بين 40 و60 عاما, وذلك من خلال دراسة أربعة أكبر الاقتصاديات (الولايات المتحدة, وإنجلترا, وفرنسا, وألمانيا). بيَّنت هذه الدراسة التناوب بين فترات الازدهار وفترات التباطؤ في النشاط الاقتصادي. فترات الازدهار تقوم على الاستثمارات المفرطة, والإنتاج الزائد على احتياجات السوق، والتوسع في الديون. أما فترات الانكماش فتقوم على الكساد وانخفاض الطلب، والأزمات. وتنتهي السنوات العجاف بحملة تطهير تُمهِّد الأرضية لمرحلة لاحقة من النمو.

كل هذا يؤكد ما نُقل عن أحد الصحابة أن الربا يضمحل كل أربعين سنة. أخرج ابن أبي حاتم عن طريق مقاتل بن حيان قال: "ما كان من ربا وإن زاد حتى يغبط صاحبه، فإن الله يمحقه", وأصله من حديث ابن مسعود عند ابن ماجه وأحمد بإسناد حسن مرفوعا: "إن الربا وإن كثر عاقبته إلى قلة". وروى عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق. (فتح الباري- شرح صحيح البخاري). ويمكن أن نلاحظ أن المجتمعات البشرية تمر كلها على مراحل مختلفة من بداية نشأتها إلى نهايتها: يبدأ المجتمع بالعمل الدؤوب، وبالترشيد, وبالابتكار, ثم ينمو ويزداد غنى, ثم يقوى بتراكم الثروة, ثم يبدأ بالتَّجبرعلى الغير, فيزيد الإنفاق بالاقتراض الربوي للحفاظ على مستوى عيشه, ويلي ذلك "طبع النقود" عندما تخنقه الديون الفاحشة, فيمد يده إلى الأزمات ويضمحل مستوى المعيشة لجميع أفراده, وأخيرا يرجع إلى النقطة الأولى إذا تمكن من الوقوف بعد الكارثة.

إذا رجعنا إلى تاريخ الإمبراطوريات والدول سنكتشف بسهولة أنها تنتهي مع فترة ضعف تصاحبها ديون هائلة استُخدِمت لتمويل الحروب أو لتمويل الرفاهية. وأغلب هذه الديون مبنية على الربا الصريح. ومثال ذلك, إذا رجعنا إلى الهزات الاقتصادية في القرن العشرين, سنلاحظ أن مصدرها من الولايات المتحدة وهي أقوى دولة في العالم. إن أزمة عام 1929 وأزمة عام 2008 ناشئتان من أمريكا في بورصة نيويورك ونابعتان من المضاربات في العقارات, وفي الأسهم, وفي سندات الديون. والعامل المشترك هو القرض بفائدة. ولا عبرة في تسمية هذ القرض طويلا أو قصيرا, على المكشوف أو غيره. الجميع يستخدم جهاز الفائدة التي تُحتَسب بصفة اوتوماتيكية حسب جداول ومعادلات مدرجة في الكمبيوترات. وإذا أخذنا جميع ما يسمى بالدول العظمى, سنفاجأ بالمستوى العالي للمديونية سواء بالنسبة للدول نفسها أو بالنسبة للأفراد أو للشركات. الكل يعيش على الدَّين الربوي. أما إذا رجعنا إلى دول العالم الثالث, سنلاحظ أنها مُثقلة بديون مبنية على قروض تنمو بسرعتين, الأولى تتعلق بفوائد مركبة ولو قيل إنها ميسرة, والثانية تتعلق بسعر الصرف بين العملة المحلية وعملة الاقتراض. ونظرا لسرعة تدهور العملات المحلية, يتضاعف حجم هذه القروض إلى درجة فائقة تجعل هذه الدول عاجزة عن التسديد وتصبح تحت وطأة الدائنين.

إن نظام صناعة الاستدانة الربوية جعل العالم كله تحت رحمة دول بل تحت رحمة مؤسسات مالية عالمية قلة أو أفرادا, تملك هذه المؤسسات. تستخدم هذه المصانع الربوية سلطتها ونفوذها, ليلا ونهارا, بمداينة الأفراد, والمؤسسات, والجماعات, والدول, والشعوب وبترسيخ عقيدة تًـوحي بأنه لا يمكن قيام أي نظام آخر غير هذا. وبالرغم من ذلك قامت بعض البنوك الكبرى الغربية بفتح نوافذ إسلامية, لكنهم لا يبغونها إلا عِوجََا. إن البنوك المركزية في الدول الإسلامية آمنت إيمانا تاما بهذه العقيدة, وتَـتَلْمذَت على أصحابها مع الخوف بعدم إتقان الوصفات والعقاقيرالتي تُوزع من طرف ما يسمى بالنظام المالي العالمي الذي هو مخزن الربا. يخافون من عدم تطبيق معايير وشروط فقهاء الربا بالرغم من أنها لم تثبت جدارتها ويستكبرون عن آيات الله ولا يخافون مما وعدهم الله ورسوله إلاَّ قليلا. من غير شك أنهم نسوا: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" (الأعراف 96), و"من يَتَّق اللهَ يَجْعل له مَخْرَجََا ويَرْزقه من حَيْثُ لا يَحْتسب", "وضَرَبَ الله مَثلا قَرْيَةََ كَانَتْ آمِنَةََ مُّطمئنَّة يأتيها ِرزقُها رَغدََا مِّن كُلِّ مَكانِ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فأَذاقَها اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ" ( النحل 112 ) .

إحصائيات وخيارات :
عدد الزيارات : 1028
عدد الردود : 0
إضافة تعليق
أرسل لصديق
طباعة
أخي الزائر لا يمكنك إضافة تعليق ألا بعد أن تقوم بالتسجيل في الموقع
جميع الردود التي يكتبها أصحابها في الموقع تعبّر عن وجهة نظر كاتبيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الموقع وإدارته .
التعليقات على المقال :

لاتوجد تعليقات على هذا المقال حتى الآن ..

عدد الزيارات : 2945535

جميع الحقوق محفوظة 2019 © - لساوث مول ™