العلامة الشيخ الددو
في مقابلة شاملة مع موقع السراج
أجرت يومية السراج مقابلة شاملة مع فضيلة العلامة
الشيخ محمد الحسن الددو تناولت عددا من القضايا الأساسية والحيوية مثل التكفير
وقضية المسجد الأقصى والتطرف والديمقراطية وتكوين العلماء في موريتانيا وقضية
انفلونزا الخنازير والحج والتصوف....
وهذا نص المقابلة : العلامة محمد الحسن ولد الددو في
لقاء شامل مع السراج: العلامة محمد الحسن ولد الددو في لقاء شامل مع السراج: تكفير
المجتمع اعتداء لأنه حكم على من دخل في الإسلام بالخروج منه من غير سبب..
الحوار محمدسالم
ولد محمدو - وجمال ولد أحمدو السراج
: فضيلة الشيخ محمد الحسن ولد الددو نشكر لكم هذه الفرصة وهذه السانحة،للحوار حول
قضايا متعددة تهم المسلمين،ولبندأ من الأقصى والمخططات الصهيونية لهدمه أو إغلاقه
أو المكر به حديث مختصر فضيلة الشيخ عن هذا المسجد فضله وتاريخه وسبل الدفاع عنه
وحمايته.
الشيخ محمد الحسن ولد الددو : بسم الله الرحمن
الرحيم وصلى الله وسلم على النبي الأمين وآله وصحبه،وأشكر لكم اهتمامكم بالمسجد
الأقصى والدفاع عنه،والمسجد الأقصى كما تعلمون،وما يقوله الناس من أن الشكر على
الواجب ليس واجبا،ليس صحيحا،فالله تعالى أمر بشكر الوالدين لإحسانهما،وفرض عليهما
تربية الأبناء،وأنا أشكر لكم هذا الاهتمام بالمسجد الأقصى وأهله.
وهذا المسجد الأقصى المبارك هو ثان بيت وضع للعبادة
على وجه الأرض،وكان بينه وبين المسجد الحرام أربعون سنة،كما بين ذلك النبي صلى الله
عليه وسلم،وجعله الله تعالى مرتبطا بتاريخ الأمة وشرفها ودولتها،وأسرى الله تعالى
به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى وجمع له الأنبياء هنالك وصلى بهم إماما
إيذانا بإمامته لهم وإمامته للبشرية كلها،ومن هنالك أسري به فأرصد الله في كل سماء
من يستقبله من الأنبياء الذين كانوا معه في المسجد الأقصى وقد سبقوه للترحيب به في
السموات السبع،فاستقبله في السماء الدنيا نبي الله آدم عليه السلام،وفي السماء
الثانية استقبله عيسي ويحيى،وفي السماء الثالثة،استقبله يوسف عليه السلام وفي
السماء الرابعة استقبله إدريس عليه السلام وفي السماء الخامسة استقبله هارون بن
عمران،وفي السماء السادسة استقبله موسى بن عمران وإبراهيم عليهما السلام.
ومنذ ذلك الوقت اتصل الشرف والمكانة العظيمة لهذا
المسجد في نفوس المسلمين،وارتبط اسم المسجد الأقصى باسم المسجد الحرام،وكان قبلة
ثانية للمسلمين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل المسجد الحرام في مكة،فلما
هاجر إلى المدينة استقبل المسجد الأقصى سبعة عشر شهرا،،ثم عادت القبلة بعد ذلك إلى
المسجد الحرام وقد بارك الله في هذا المنطقة بشكل عام،وقال "سبحن الذي أسري بعبده
ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله’’ وبين
رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من فضله وفضل أهله وأنه لاتزال طائفة من الأمة
لعدوهم قاهرين لايضرهم من خالفهم،وحدث أنهم في أكناف بيت المقدس،فقال (يوشك أن يكون
خير مهاجركم مهاجر أبيكم إبراهيم،عليه السلام).
وبين تعالى أنه بارك حول المسجد الأقصى،فقال
’’سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا
حوله’’وبين صلى الله عليه وسلم أن هذا المسجد العظيم سيفتح بإذن الله تعالى، فقال
صلى الله عليه وسلم في وقت الشدة،في غزوة الأحزاب،أنه أوتي مفاتيح كنوز كسرى
وقيصر،فقال تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيخرجون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم
لو كانوا يعلمون،ثم تفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيخرجون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة
خير لهم لو كانوا يعلمون.
وذكر النبي صلى الله عليه أنه سيخرب في آخر الزمان
وإلى دخول الصليبين له،ودخول اليهود له وتحريره منهم جميعا،وجاء في القرآن أيضا ما
يشير إلى احتلال اليهود لهذا البيت العظيم،فقال ’’ فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا
وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا’’ أي ليتبروا
مدة علوهم،أو يتبروا الذي علوه،وهذه هي الدولة الثانية لليهود،بعد دولتهم الأولى, وقد
فتح هذا المسجد الكريم على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمين هذه الأمة أبي
عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما،واستلم عمر رضي الله عنه مفاتيحه ووقع الصلح مع
سكان مدينة القدس ومنذ ذلك الوقت وهي دار إسلام إلى أن احتله الصليبيون خمسا وتسعين
سنة،إلى أن أخرجهم منه صلاح الدين الأيوبي.
وأول من بناه من هذه الأمة عمر بن الخطاب الذي بنى
الجامع العمري الذي مازال قائما لحد الآن،وبنى الوليد بن عبد الملك قبة الصخرة،
وبنى مروان بن محمد المبنى المرواني،وبنى المهدي العباسي البلاط،وواصل الحكام بعد
ذلك خدمة المسجد الأقصى،مثل منبر صلاح الدين الذي أهداه إلى المسجد الأقصى.
وقد حاول اليهود شراء المسجد الأقصى من
العثمانيين،وعجزوا عن ذلك،وحاولوا أكثر من مرة شراء الأرض من مواطنيها العاديين،وفي
سنة 1967 أحرق الصهاينة أجزاء من المسجد الأقصى واحتلوا المدينة القديمة.ومنذ ذلك
التاريخ والمسجد الأقصى يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني،وهو ما مهد لمقاومة مقدسية
قوية وفاعلة قادتها الحركة الإسلامية في فلسطين،ومواطنو بيت المقدس،وتصدوا بأجسادهم
وإيمانهم وكل قوتهم لمحاولات المتطرفين الصهاينة المتواصلة لاقتحام المسجد
الأقصى،رغم أن هذه المحاولات مدعومة من السلطة السياسية والأمنية للكيان الصهيوني
البغيض.
ويتعرض المسجد الأقصى لمؤامرات متعددة،تأخذ مختلف
الأشكال من الحفر تحته بحثا عن هيكل مزعوم،وهو ما أدى إلى تصدع عدد من أسسه
وجدرانه،وأدى إلى تهدم مدرسة كانت بجانبه،كما أدى إلى إزالة عدد من المقابر الذي
تضم قبور بعض الصحابة رضوان الله عليهم،ومن بينها مقبرة باب المغاربة.
والآن يؤدي المقادسة واجب الدفاع عن المسجد
الأقصى،وهو واجب لايختص بهم وحدهم،وإنما يعم كل المسلمين بمواقعهم وقدراتهم،والواجب
الأول متوجه إلى الحكام فيجب عليهم تسيير جيوشهم وتخليص المسجد الأقصى وفلسطين من
نير الاحتلال الصهيوني،وتأخر القادر منهم على ذلك إثم كبير يبوء به أمام الله يوم
القيامة.
والناس
بعد ذلك على مستوياتهم وقدراتهم،فعلى أهل المال الإنفاق والمساندة المالية،وأصحاب
الأقلام والمنابر مكلفون بنشر الوعي والتثقيف بقضية الأقصى وفضح التطبيع،ومحاولات
المساس بالمسجد الأقصى. وأنا
في الأمانة العامة لمؤسسة الأقصى العالمية،والتي يتولى رئاستها العامة الشيخ يوسف
القرضاوي،ويتولى أمانتها العامة أخونا الشيخ يوسف العدلوني،وقد رأينا بعد إخبار
الشيخ رائد صلاح أن المتطرفين لايتجاسرون على الوصول إلى المسجد الأقصى أوقات
الصلاة،وإنما يتجاسرون عليه في الضحى وساعات النهار الأولى حيث يقل رواد المسجد،أن
نعمل على توفير رباط دائم في المسجد الأقصى،وأنتم تعلمون فضل الرباط،وأعظم الرباط
ماكان في أعظم جهة وهي الآن المسجد الأقصى،وفكرة الرباط تمكن قطاعات واسعة من
المسلمين من المشاركة الفاعلة في التصدي للكيان الصهيوني.
واقترحنا أن تجهز الأمة 1500 مرابطا ممن يحملون
الجنسية الصهيونية في القدس،ويكون عملهم على ثلاث مراحل بمعدل ثمان ساعات لكل
مجموعة،وأخبرنا الشيخ رائد صلاح،أن هذا العدد متوفر لكن كل فرد يحتاج إلى 1500
دولار شهريا ليتفرغ بشكل دائم للمسجد الأقصى،ووزعنا هذا العدد على ساعات
اليوم،ووجدنا أن دولارين فقط يمكنان من تفريغ مرابط في المسجد الأقصى لساعة
واحدة،وبهذا المعنى فإن 600 أوقية تمكن من الإسهام في ذلك الرباط.
السراج : شكرا لكم فضيلة الشيخ على هذا
التبيين،ولننتقل إلى شأن وطني،فبعد وفاة الشيخين لمرابط محمد سالم ولد عدود والإمام
بداه ولد البصيري رحمهما الله تعالى،أحس الناس بفراغ علمي كبير،وأنتم كنتم ممن
استشعر هذا الخطر،وأنتم الآن ترأسون مركز تكوين العلماء،برأيكم أي مسد يسده هذا
المركز للعلماء والمحظرة في موريتانيا.
الشيخ : بارك الله فيكم،أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم عن رفع العلم بموت العلماء،وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله لايرفع العلم
انتزاعا ينتزعه من الناس،وإنما يقبضه بقبض أهله،فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء
جهالا فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا،وفي رواية رؤساء جهالا".والعلم مرفوع من
هذه الأمة لامحالة.
والعلماء الربانيون هم بركة الأمة،ومصابيحها وهم
الموقعون عن الله تعالى،وأخبر أنهم وحدهم الذين يخشونه حق خشيته وهم صف هذه الأمة
الأول وهم جنس مهدد بالانقراض.وأهل هذا البلد كنزهم الحقيقي هو العلم الشرعي،وهو
شهرتهم،لاغير،وإذا ذهب العلم من هذا البلد،لم يبق لهم ما يذكرون به في أي وجه من
الأوجه.
ولذلك استشعرت – كما ذكرت – هذا الخطر وسعيت إلى
تأسيس هذا المركز وإن كان لايفي بالمطلوب كله لكنه إعذار إلى الله تعالى،وبدأت
الفكرة تبرز إلى العيان،والآن يدرس فيه 14 من العلماء ويدرس فيه 62 ممن ينتظر أن
يكونو في المستقبل من العلماء،ويدرسون 52 تخصصا ونتوقع أن ينوب كل واحد من خريجيه
منهم بعد ذلك عن 52 دكتورا،فالجامعات لاتمنح الوقت ولا الجهد الكافي
للدارسة،ويتنافس الأساتذة والطلاب في تقليص البرنامج وعدم إكماله.
ويسعى المركز بإذن الله تعالى إلى تجاوز أخطاء
المحظرة،ونواقصها فقط كانت المحاظر تشهد كثيرا من الفوضى وينتسب لها كل من هب ودب
دون أي اختبار،وقد قال الشيخ محمد عالي رحمه الله : من
واجب الإسلام جمع مال تقضى به حقوق بيت المال إن
لم يكن كحامل علوم فرض الكفاية من الموسوم بحسن إدراك مع السريرة والطيب في سجية
والسيرة ومن خلا من هذه الأوصاف منعها لفقد الاتصـــــــــــاف
بل
طلب العلم بتلك المرتبة خال من المصلحة المجتلبة بل هو من تكليف ما لايطق وعبث في
فعله والمنطــق وكل ذين حجروه حجرا فكيف يأخذ عليه أجراذكره المواق في الإيداع
فانظر تجده يوم يدع الداعي
ومؤسستنا
تحاول أن تجمع بين موسوعية المحظرة وتربيتها،ومع طريقة الجامعة في المستويات وسن
الدراسة،وطرق الإلقاء ومناهج البحث وطرق التدريس،وبالتالي لاتهمل المنافع المجتلبة
من التعليم العصري،والمنافع الراسخة في المحظرة.
والمشروع كبير جدا بإذن الله،ولايزال في
بدايته،ويتطلب وجود مكتبة ضخمة جدا في البلد،وهو ما لم يقع لحد الآن،ويتطلب أيضا
طباعة المتون العلمية المقررة على الطلاب،ونحن الآن لم نستطع أن نطبع إلا ستة كتب
من أ صل مائتين،وستة وعشرين كتابا مقررا،في اثنين وخمسين تخصصا،والطلاب الموجودون
الآن يتوفر لهم سكن على مستواهم،ويدرسون كل درس ثلاث مرات، يدرسهم ا لشيخ الكبير،ثم
يدرسهم معيد مخصص لهذا الغرض،ثم يدرسونه فيما بينهم،والطلاب أيضا يحفظون المتون
حفظا كاملا ويسمعونها،ويختبرون في ذلك،كما تجرى لهم فحوص طبية موسمية،كاملة،ويجدون
نفقة تناسبهم،وتوفر لهم ا لكتب المقررة بأحجام وطباعة مناسبة،ونسعى بإذن الله إلى
تحقيق وطباعة جميع ا لكتب المقررة.
ونحن الآن نقدم للمجتمع خدمات زائدة على خدمة ا
لتدريس،فالطلاب أنفسهم يتوزعون على المساجد في الجمعات للدعوة والخطابة في المساجد
وفي إجازة المركز في شعبان ورمضان أيضا يتوزعون في رحلات دعوية في الداخل والخارج
أيضا.وكذلك ينظم المركز دورات مفتوحة في بعض المتون ا لصغيرة،والتي يشارك فيها
الكثير من الطلاب والتجار والموظفون وطبقات الناس المشغولين،الذين لايجدون وقتا
كثيرا للتفرغ لطلب العلم،ويمنح المشاركون شهادات في ختام الدورات التي شاركوا فيها.
ونحن الآن نطمح إلى أن ننشئ مصحة طبية،خاصة
بالمركز،وإقامة مضافة تستضيف العلماء ا لبارزين في أنحاء العالم،ونحن نحاول بإذن
الله تعالى استضافة كل من برز في فن من فنون العلم،من أجل بثه ونشره في بلدنا
وتبليغه للطلاب والعلماء،وفي هذا الصدد سيزورنا أحد أبرز علماء القراءات في العالم
الإسلامي وهو الشيخ عبد الرشيد صوفي وسيأتي من قطر بإذن الله،وسيأتينا بإذن الله
تعالى الشيخ الدكتور محمد بولوز من المغرب وهو أحد أبرز فقهاء العالم
الإسلامي،وبالأخص فيما يعرف بالطريقة الإحصائية للفقه الإسلامي،وكذلك سيزورنا الأخ
محمد طلحة بلال وهو أحد أبرز الخطاطين والرسامين في عالمنا الإسلامي وهو قارئ أيضا.
وسنحاول أيضا استضافة عدد كبير من المشايخ
البارزين،ويخطط المركز الآن لاستضافة الدكتور العفاسي،وقد زارنا في الماضي الشيخ
الدكتور سالم الشيخلي،والدكتور علي بن حمزة العمري،والدكتور علي الوهيبي الأمين
العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي،وغيرهم من الذين يمثلون نماذج وقدوات ترفع
الهمم،وتساعد ا لطلاب والأساتذة على التطوير.
السراج : يطرح سؤال عن العلاقة بين المركز والوزارة
المعنية،وهل شهاداته معترف بها؟ الشيخ
الددو : المركز مرخص من وزارة الشؤون الإسلامية في البلد،وهي تعترف به،والمركز
لايمنح شهادة وإنما يمنح إجازة في كل كتاب ومقرر بسند متصل إلى مؤلفه،وبالنسبة
للقرآن والحديث يمنح المعهد إجازات بأسانيد متصلة إلى النبي صلى الله
عليه،وسلم،والمركز يطمح إلى إنشاء جامعة،ويمكن لطلابه أن يشاركوا فيها وتناقش
بحوثهم وتمنح لهم الشهادة المناسبة لذلك السراج
: البعض يتحدث عن شروط شاقة للانتساب إلى المعهد؟ الشيخ
الددو : صحيح المركز لايتحمل كل ما تتحمله المحظرة ولايستقبل كل من هب ودب،وطلابه
لابد أن يكونوا من المتميزين قبل دخول المركز،ونحن وضعنا شروطا للالتحاق بالمركز
أبرزها حفظ كتاب الله تعالى بروايتين على الأقل وإتقانه،والمشاركة في مختلف العلوم
الشرعية،والنجاح في المسابقة،وهو لايختص بالموريتانيين،ويدرس فيه الآن طالبان من
المملكة العربية السعودية،وطالبان من ا لسنغال،وهو مفتوح أمام كل من توافرت فيه
الشروط،وكل من نجح في مسابقته.
السراج
: لننتقل إلى محور آخر ..دعوت بعد العملية الانتحارية الأخيرة إلى الحوار مع
الجماعات المتطرفة،برأيكم ماهي ضوابط هذا الحوار ومجالاته.
الشيخ
الددو : أنبه أولا إلى أن التطرف ليس مختصا بالدين الإسلامي ولا المسلمين ولا
البلدان الإسلامية،وأنه ظاهرة بشرية قديمة صاحبت الإنسان طيلة تاريخه على هذه
الأرض،وفي كل الأمم والشعوب نجد فئة باغية تمارس القتل والترويع ضد الناس،ولذلك فإن
التطرف بهذا المعنى لادين له ولا جنسية.
وبالنسبة للتطرف في البلدان الإسلامية،فأصحابه
ليسوا على قلب رجل واحد،ويجب التمييز في التعامل معهم. فمن
هؤلاء الذين يقتلون ويروعون،ويسعون في الأرض فسادا متأولون ويعتقدون أن ما يقومون
به جهاد في سبيل الله،وهؤلاء لايصلح لهم إلا الحوار والمناظرة مع العلماء من أجل
تبصيرهم وثنيهم عما هم فيه.
والقسم الثاني وإنما يمارسون هذه الأفعال تشفيا في
المجتمع،وتكفيرا له،ويريدون إثخان المجتمع والإفساد فيه،ولذلك هؤلاء إذا أقدموا على
مثل هذه الأفعال يجب محاكمتهم من أجل ردعهم عن مثل هذه الأعمال.وبعض من يمارس هذه
الأفعال يمارسها عن جهل،وبعضهم عن مرض عصبي أو انفصام نفسي أو غير ذلك،فيعادون
مجتمعهم ويعادون أهل الأرض كلها،وربما قتلوا أنفسهم في سبيل ذلك.
وبالنسبة للحوار الذي دعوت إليه في هذا البلد،قلت إنه
يجب أن يأخذ في الحسبان أن بلدنا ليس محميا ولا محصنا ضد هذه الظواهر،وقد ذاق مرارة
بعضها للأسف الشديد،لكن أسلوب مقاومتها لايمكن أن يكون بالعمل البوليسي والأمني،فقط
وإنما يكون بالعدل والعدل فقط،والعدل يقتضي أن ينظر إلى القابعين في السجن وأن
يوزعوا إلى ثلاث طوائف.
1- الطائفة الأولى : وهي من يدعى عليهم القيام
بأعمال عنف وجرائم،فتقام لهم محكمة تحاكمهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية،ويمكنون من
الدفاع عن أنفسهم ويحكم عليه بأحكام مناسبة طبق ا لشريعة الإسلامية.
2-
القسم ا لثاني : وهم من لاتدعى عليه أفعال
ولكنهم يقرون على أنفسهم باعتقاد أفكار ومعتقدات منحرفة،وهؤلاء لاتجدي معهم محاكمة،ولاسجن،ولكن
يجب ا لحوار معهم وإرشادهم، حتى يسهل الله لهم العودة عن ذلك وا لتخلص من هذه
الأفكار المنحرفة،ثم إن سجنهم جريمة ولا يجوز للدولة ولا أولياء الأمور سجنهم،ولو
كان الخلاف سببا للسجن،لعدا كل متغلب على مغلوبه فسجنه.
3- القسم ا لثالث : وهم من لايتهمون بأفعال ولا
بانحرافات فكرية،ولكن يتهمون بمساعدة أو معرفة بعض الأشخاص أو بعض ذلك،فهؤلاء أيضا
لايجوز سجنهم،وبعضهم مظلوم بشكل كامل،وإطالة سجنهم هؤلاء دقيقة واحدة ظلم للبلد
وأهله لأنه ينشر الفساد والتطرف والغلو ضد المجتمع،وليس ذلك من العدالة لأن العدالة
تقتضي محاكمة المتهم بفعل،ومحاورة ذي العقيدة المنحرفة،وإخلاء سبيل المظلوم في أسرع
وقت.
السراج :ننتقل إلى جانب آخر يتعلق بالتكفير و الردة
فهناك موقفان أثارا الكثير من اللغط موقف التكفيريين الذين يكفرون المجتمع وموقف
بعض العلماء الذين يعارضون تطبيق حد الردة فماذا ترون بهذا الخصوص ؟ الشيخ محمد
الحسن ولد الددو: لاشك أن تكفير المجتمع اعتداء لأنه حكم على من دخل في الإسلام
بالخروج منه من غير سبب، والإسلام بينه رسول صلى الله عليه وسلم وهو أدرى به فقال
:"وهو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة
وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا "فهذا هو الإسلام ، وهذه الأركان
الفعلية من أتى بها وترك الأركان التركية ، فترك قتل النفس بغير حق وترك الزنا وشرب
الخمر وترك الكبائر والفواحش الكبرى فهذا المسلم .
أما من وقع في الكبائر أو ترك بعض الواجبات غير
الصلاة وغير شهادة أن لا اله إلا الله فإنه لا يكفر بذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوب
الواجبات واعتقد عدم حرمة المحرمات ، والصلاة فيها خلاف ومذهب الجمهور أن من تركها
تهاونا أو تكاسلا لا يكفر ومن تركها شاكا في وجوبها يكفر بذلك ،وهذا التكفير العام
للناس حكم قضائي عليهم ولا يمكن إصدار مثل هذا الحكم على أهل مدينة من المدن أنهم
جميعا كفار وأنهم جميعا فساق أو أن عليهم دينا و قدره كذا لا يمكن لأي قاض أن يحكم
به والتكفير حكم قضائي يحتاج إلى إثبات وله شروط وموانع وهي سبعة :الأول /عدم
الإكراه لقوله تعالى :"..إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا
فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم " .
الثاني / عدم الجهل به لأن الله تعالى :"وجاوزنا ببني
إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ...إلى قوله إنكم قوم تجهلون " وما
قال إنكم قوم تكفرون ولحديث أبي واقد الليثي عند الترمذي وغيره أنهم مروا على شجرة
كانت تدعى في الجاهلية ذات أنواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم
ذات أنواط قال : الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفس محمد بيده ما قاله أصحاب موسى
لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ،ولم يكفرهم ، كذلك في الصحيح أن عائشة دخل عليها
عجوزان من اليهود فذكرتا عذاب القبر فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما فدخل علي رسول
الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن عذاب القبر فقال :أعوذ بالله من عذاب القبر"
فجهلت عذاب القبر فأنكرته فعلمها رسول صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يأمرها بتجديد
الإيمان ولا بتجديد العصمة.
الشرط الثالث / القصد فغلط اللسان لا يكفر به فآخر من
يدخل الجنة يقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك " غلط من شدة الفرح، وفي الحديث الآخر
الصحيح أيضا: "لله أشد فرحا بتوبة عبده ففي هذا الحديث يقول :اللهم أنت عبدي وأنا
ربك " أخطأ من شدة الفرح.الشرط الرابع : أن لا يكون متأولا فمن طلب الحق باجتهاده
فلم يوفق له وقد أتاه من وجهه فلم يكابر ولم يعاند ولم يرد على الله ولا على رسوله
وإنما فهم كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم على وجه معين فإنه معذور
لقول النبي صلى الله عليه وسلم :إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران وإذا اجتهد
وأخطأ فله أجر " وقد قال بن تيمية رحمه الله :كل من اجتهد في طلب الحق فهو معذور
أصاب أو أخطأ سواء أكان ذلك في الأصول أو في الفروع والمقصود هنا ما كان غير معلوم
من الدين بالضرورة وما لم يكن من المحسومات التي حسمها القرآن أو متواتر السنة أو
نحو ذلك ، فالفرق الضالة التي كفرها بعض أهل العلم فإنما سبب ذلك جسارتها وجرأتها
وردها للوحي.الشرط الخامس / إقامة الحجة حيث قال الله تعالى :"وما كنا معذبين حتى
نبعث رسولا" .
والشرط السادس / الثبوت فما لم يثبت عليه الأمر
بإقراره أو بشهادة عدلين به لا يمكن أن يحكم عليه به.الشرط السابع / عدم تغطية
العقل الذي هو مناط التكليف فإذا كان الإنسان مغطى على عقله بالخشية أو بالسكر أو
بالجنون ونحو ذلك فإنه لا يكفر بما صدر عنه فهذه سبعة ما بين شرط ومانع ومالم تتحقق
لا يمكن أن يحكم بالكفر على صاحبها.
السراج : بالنسبة لآراء بعض المفكرين حول الموضوع
؟ الشيخ محمد الحسن : بالنسبة لحد الردة هو من الحدود المتفق عليها بين المذاهب وقد
جاء فيها حديث البخاري المتفق عليه :"من بدل دينه فاقتلوه " ولا معنى لإنكار ذلك
بعد أربعة عشر قرنا وبعد انتهاء المذاهب الفقهية وبعد ثبوت الحديث وانتشاره.
السراج :وهل سبق هؤلاء في الفقه الإسلامي قائل بما
ذهبوا إليه ؟ الشيخ محمد الحسن: لا..لا يعرف لهم سابق تقريبا..
الديمقراطية
التي تريدها الشعوب الإسلامية لا تعني إلغاء الوحي وتحكيم عقول البشر في شرع الله أسلوب
الحكم في الإسلام لم يأت ضبطه إلا بأمر واحد وهو الشوروية ،والديمقراطية وسيلة
لتطبيق الشورى.في الحلقة الثالثة من حواره مع السراج يتحدث العلامة الشيخ محمد
الحسن ولد الددو عن نظام الحكم في الإسلام وإشكالية الديمقراطية والموقف الشرعي
منها حيث يؤكد أن الديمقراطية إذا كانت بمعني صناديق الاقتراع أو الرقابة على
الحاكم أو تعزيز مشاركة الناس في السياسات العامة ..لا مانع منها شرعا.بخلاف ما إذا
كانت بمعنى إلغاء الوحي ورده وتحكيم العقول في شرع الله وهو ما لاترضاه الشعوب
المسلمة ولا تقبل به..فإلى المقابلة :
السراج : يطرح تيار السلفية القتالية إشكالات كثيرة
في رفضه للمجتمع،وقتاله للدولة أبرزها إشكال الديمقراطية
وحول الجهاد والحاكمية. الشيخ
الددو : أولا .. لايجوز وصف من يخالف منهج ا لسلف الصالح بأنه سلفي،فاتباع السلف
مناقض للتعصب المقيت ومناقض للقتل والترويع والإفساد في الأرض.
وبالنسبة للديمقراطية يقتضي الأمر التمييز في
الفكرة،والتوضيح والإيضاح قبل إصدار الحكم الشرعي ونسبته للإسلام...فالديمقراطية
إذا كان معناها أنها إلغاء الوحي ورده وتحكيم عقول البشر في التشريع كله بحيث يكون
لهم أن يحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله فهذا لم يقل به أحد من المسلمين ولا
يراها لكن لا بد أن نفهم أن هذه ليست هي الديمقراطية الموجود في بلاد المسلمين أو
على الأقل ليست هي الديمقراطية التي تطالب بها الشعوب الإسلامية والتي تريد تداولا
سلميا على السلطة ليس فيه إراقة دماء ولا انقلابات ولا تخويف ولا ترويع الآمنين
وتريد حماية لمقدساتها وأمنها وممتلكاتها وتريد مشاركة لكل القوى الفاعلة للمجتمع
في بنائه وتريد مشاركة كل أصحاب التخصصات في تقدم المجتمع ورقيه وتريد مراقبة
الحاكمين، وعدم إطلاق يدهم في مال الشعب ومقدراته لأنهم ليسوا أحق به من غيرهم،
والشعب كله يملك ما ملكه الله من الأرض وما تحتها ومن المعادن والنبات وغير ذلك.
وأسلوب الحكم في الإسلام لم يأت ضبطه إلا بأمر واحد
وهو الشوروية، فلا هو أسلوب القهر والجبر والاستبداد والشوروية هي خلاف كل ذلك ،لذا
قال الله تعالي :"وأمرهم شورى بينهم" وقال :"وشاورهم في الأمر " وهذه الشورى لا
يمكن قولبتها في قالب واحد لا تتعداه فلابد أن نعرف أن الشورى في صدر هذه الأمة
الأول ليست كالشورى في زماننا ذلك أن الصدر الأول كانت فيه طبقة مزكاة بالوحي شهد
الله لأهلها بالعدالة وزكاهم وضمن لهم الجنة وهؤلاء كل الأمة ترضاهم وتقدرهم وترضى
بحكمهم ولا يخالفهم إلا باغ ومن هؤلاء الصحابة والمهاجرون وأهل بدر لكن هذه الطبقة
توفيت ولم يعد لها وجود اليوم لذا كانت الشورى سهلة التطبيق بوجود هؤلاء، ولذلك لما
توفى الله رسوله ولم يعد بالحكم إلى أحد رأى بعض خيرة الصحابة أن يختاروا أبابكر
الصديق ويبايعوه للخلافة فانعقدت بيعته ببيعة أولئك السابقين له وحمدت الأمة غب ذلك
حيث قادها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ، ولما مرض أبوبكر الصديق رشح للأمة
عمر بن الخطاب وهو من هؤلاء السابقين المشهود لهم بالجنة فبايعه أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وانعقدت له بذلك البيعة العامة ولما طعن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه رشح للأمة ستة توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وكل واحد من هؤلاء
يجب الإيمان بأنه من أهل الجنة، وأي واحد منهم تولى الخلافة فلا ضير في ذلك ، كلهم
يصلح لذلك ، فتنازل ثلاثة لثلاثة سحبوا ترشحهم لثلاثة وانسحب أحد الثلاثة لصالح
الاثنين بشرط أن يكون له الاختيار،فانحصرت في اثنين هما عثمان وعلي رضي الله عنهما
،لكن لابد في الحكم أن نعلم أن الذين يقولون حكم الرجال ممنوع أو حكم الشعب ممنوع
جهلوا هذه المسألة فعلي لما قال له الخوارج حكمت الرجال في كتاب الله قال هاتوا
أكبر مصحف في الجيش فجاءوا به فوضعه في حجره وقال: احكم فقالوا له :ماذا تخاطب من
أوراق وجلد فقال : أنتم تريدون تحكيمه فليحكم ،فالذي يحكم بكتاب الله هم الرجال
والرجال لايمكن أن يحكموا بكتاب الله إلا على أساس صفات ومعايير واضحة تمكنهم من
ذلك ، لذا كان عبد الرحمن بن عوف حكما مرضيا لدى الأمة لأنه كان من أهل بدر ومن أهل
بيعة الرضوان ولأنه من العشرة المبشرين بالجنة وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم
بالجنة وقال :ما ينبغي لنبي أن يموت قبل أن يصلي خلف رجل صالح من أمته فكان عبد
الرحمن بن عوف ،فلذلك لم يخالفه أحد ولم يقل أحد بأنه مال على عثمان أو حاباه بل
رضي باختياره علي بن أبي طالب فكان ثاني من بايع عثمان بعد عبد الرحمن بن عوف،
فانعقدت البيعة لعثمان ولعلي من بعده ،لكن بعد الخلفاء الراشدين الأربعة تغير الوضع
فلم يبق من العشرة إذ ذاك إلا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وكلاهما اعتزل الشأن
العام واعتزل الفتنة، وتناقص أهل بدر فبعدما كان عددهم 313 ولم يبق منهم بعد
الخلفاء الراشدين إلا عدد يسير جدا، ثم بعد ذلك أهل بيعة الرضوان شهد منهم مع علي
بن أبي طالب 800 وهم 1500 ثم بدِأوا يتناقصون حتى ماتوا.
وبعد هذه الطبقة المزكاة احتجنا إلى معرفة غالبية
الناس ولا يمكن أن يختص ذلك بأهل العدالة والعلم والروع لأنه تصرف في المال العام ،
لأن الله ملك هذه الأرض وما فيه لسكانه جميعا برهم وفاجرهم ولكل منهم نصيب من هذا
الخير ، فلايمكن أن يأتي البر ليقول أنا أحجر على الفاجر في ماله، ولا يمكن أن يأتي
المسلم فيقول أنا أحجر على الكافر في ماله ، فالكافر ماله له ،مادام من رعايا
الدولة الإسلامية ذ ميا كان أو معاهدا،كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم أحرز
الذمي دمه وماله ،فلا يمكن لأحد أن يحجر على غيره إلا بمقتضى الشرع ، لذلك فالتصرف
في المال العام هو تصرف في أملاك نملكها جميعا ، والوالي العام هو من يحق له التصرف
في هذه الأملاك، وهؤلاء الأفراد لابد أن يكون لهم مشاركة أو رضى في التصرف فيما
يملكون لذلك لابد أن يكون لهم من يمثلهم، وهو ما كان يسمى في الصدر الأول وفي عهد
النبي صلى الله عليه وسلم بالعرفاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ويوم عطاس
:أخرجوا إلي عرفاءكم ،وفي سنن أبي دواد بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لا يستقيم الناس إلا بعرفاء ، والعرافة حق " لذا فالعرافة لابد منها ،وكل قوم لابد
أن يكون لهم عريف يتكلم باسم وهؤلاء هم النواب، ولايمكن اختيار هؤلاء ولا أن نعرفهم
إلا بأسلوب الشورى ، وهذا الأسلوب ليس بمتعين ولا فيه نص فوجدنا الأوربيين وغيرهم
من الغربيين سبقونا إلى أسلوب يعرفون به هذا الاختيار وهو أسلوب صناديق
الاقتراع..والذي ليس هو الفكرة ولم يأت نص بمنعه وهو محقق للهدف ووسيلة ترتب منه
المقصد ولم يرد نهي عنه لذاتها فلا حرج فيها شرعا ، ونحن لا يمكن أن نطبق الشورى
إلا بوسيلة ووسيلتها لا يمكن أن تتم بمجرد التخمين والظنون بل لابد فيها من أسلوب
علمي، وهذا الأسلوب كما اتخذه الأوربيون فيما يتعلق بمعرفة رأي الأكثر هو صناديق
الاقتراع ولا مانع شرعا من استيراد أي فكرة نافعة فلقد استورد النبي صلى الله عليه
وسلم من حضارة فارس فكرة الخندق ومن حضارة الروم فكرة الخاتم ، ومن حضارة الحبشة
فكرة المنبر ، ونحن نستورد منهم الكهرباء والصناعات والسيارات والطائرات، فكذلك
أفكارهم النافعة التي لم يرد فيها نهي وليس فيها ضرر فلا مانع من استيرادها.
يبقى أن الديمقراطية لها إطلاقان : إطلاق على فلسفة
عامة ،وهذه نادرة التطبيق ولا توجد وهي تحكيم الشعب مطلقا فيكون محللا ومحرما ،وهو
محدد العقوبات والجرائم ، وهذا الأسلوب لا يرضى به أحد من المسلمين ولا يريده ولا
يقره ، أما القسم الثاني فهو مجرد وسيلة لتطبيق الشورى وهو إطلاق الديمقراطية على
صناديق الاقتراع وعلى اختيار الحاكم بأسلوب غير عنيف ليس فيه قهر ولا إجبار ولا
سلاح ولا دماء ، وكذلك مراقبة سلوكه وتصرفه ، وكذلك مشاركة الناس في السياسات
العامة للبلد داخلية كانت أو خارجية، كذلك موافقة ممثلي الشعب على كل اتفاق يعقد
ودراستهم له هل هو في مصلحة الشعب أم لا ، وكذلك ما يشرعون أو يبينون للناس من
النظم التي فيها ترتيبات لحياتهم وليست من باب التحليل أو التحريم بل هي من الترتيب
الإداري والنظم التي يحتاج إليها البشر فهذا النوع لا مانع منه شرعا..لكن لابد من
تفهيم الناس لهذا فلو فهم الذين يكفرون كل من شارك في الديمقراطية هذه الفكرة
لتراجعوا عن فكرتهم.
السراج :وهل سبق هؤلاء في الفقه الإسلامي قائل بما
ذهبوا إليه ؟الشيخ محمد الحسن: لا لا يعرف لهم سابق تقريبا.. السراج
:يتحدث بعض العلماء المعاصرين عن جمهور قديم وجمهور جديد بمعنى أن اتفاق الجمهور
القديم لم يعد ملزما في قضايا العصر ..فهل تتغير الفتوى بزمانها؟
الشيخ محمد الحسن: قول الجمهور ليس إجماعا وليس حجة
دائما بل العبرة بالدليل مالم ينعقد الإجماع فإذا انعقد الإجماع فلا يسع أحد خلافه
إذا انقرض العصر ولم يرجع أحد منهم ولم يخالف أما قول ا لجمهور فليس حجة على من
سواهم ، وإذا كانت المسألة ليست إجماعية فيمكن أن يخالف فيها لكن لابد أن يكون
الخلاف ليس بهدف الخلاف وإنما الخلاف على أساس الدليل أو تغير الواقع أو نحو ذلك
،وتغير الواقع قطعا سبب من أسباب تغير الاجتهاد .
فلقد اتخذ ابن أبي زيد رحمه الله كلبا للحراسة
فقيل له : خالفت مذهب مالك وقد نص على حرمة اتخاذ الكلب للحراسة وقد ثبتت الأحاديث
الصحيحة على نفي ذلك فقال رحم الله مالكا : لو كان في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا ".
السراج :بالنسبة للإجماع وما يقال عن استحالته
ويروي كلام في هذا المعنى عن ابن عبد البر فما القول الفصل في هذا الموضوع؟
الشيخ محمد الحسن:بالنسبة للإجماع لا يمكن أن يقول
أحد باستحالته إلا إذا ظن شخص بأنه مثل إجماع البرلمان عندما يجتمع في وقت واحد
ويناقشون أمرا واحدا وهذا غير صحيح ، فالإجماع ممكن وواقع في الأمة ولا يمكن أن
ينكر أحد أن الأمة مجمعة على وجوب الصلاة وأن الظهر أربع ركعات وأن العصرأربع
ركعات في ا لحضر وأن المغرب ثلاث ركعات وأن العشاء أربع في الحضر ، هذا لا يمكن أن
ينكره مسلم ولا يمكن أن ينكر الإجماع عليه.
والإجماع هو اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه
وسلم في عصر من ا لعصور بعد موته صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي أيا كان ذلك ا
لحكم سواء أكان محسوما بالنص أو لم نجد النص الذي ورد فيه أو ورد إلينا نص ضعيف لكن
ا نعقد الإجماع عليه، فالإجماع مستنده لا يمكن الوصول إليه ولا يلزم أن يكون صحيحا
لدينا نحن فلو انعقد الإجماع على حديث ولو كان ضعيفا فالإجماع حجة قاطعة وقد حكى بن
عبد البر الكثير من الإجماعات بعضها يكون إجماعا بين المسلمين وبعضها يقصد به إجماع
فقهاء أهل السنة وجمهورهم أو حسب ما وصلت إليه يده هو، والإجماع حصوله أسهل من
حكايته فحكايته شاقة فالذي يستطيع حكاية الإجماع هو الشخص المحيط العارف بأهل العلم
وأقوالهم فمثلا أنت الآن إذا جئت في هذا العصر فقلت إن أهل القرن الماضي أجمعوا على
صحة الصلاة فى الطائرة وهذه حادثة جديدة تكلم فيها العلماء فمعناه أنك عرفت جميع
المجتهدين في ذلك الوقت عرفت من هو من أهل الاجتهاد في موريتانيا وعرفت من هو من
أهل الاجتهاد في كل إفريقيا وفي كل آسيا وأوربا وحصرت أقوالهم وفتا ويهم جميعا في
هذه المسألة فوصلت بالاستقراء والاستقصاء إلى نتيجة واحدة فيمكن أن تحكي هذا
الإجماع لكن مادمت لا تعرف أهل الاجتهاد في الهند ولا أهل الاجتهاد في باكستان ولا
كشمير أو غير ذلك لا تستطيع حكاية هذا الإجماع.والمجامع الفقهية لا تمثل إجماعا لأن
نسبة ضئيلة من الفقهاء هي التي تحضرها.
السراج : ماذا عن الرقية الشرعية التي بدأت تنتشر
مؤخرا في موريتانيا فما ضوابطها وما مجالها وهل تغني عن الطب الشرعي ؟
الشيخ محمد الحسن ولد الددو :الرقية الشرعية هي من
تلاوة القرآن ، وتلاوة القرآن وظيفة من وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكل من
استن به وسلك طريقه فليعمل بوظائفه ، وقد حددها الله تعالى :"لقد من الله على
المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب وا
لحكمة .." يتلو عليهم آياته ليست هي يعلمهم الكتاب والحكمة أي تلاوتها وهذه لها
تفسيران :أي قراءتها على من يدعى للإسلام أي الدعوة للإسلام ومنه قول الله تعالى
:"وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله .." القول الثاني :إنها
الرقية به ،فقراءة القرآن على المرضى وعلى غيرهم مما يهتدي به الضال ويشفى به
المريض ويفتح الأبواب كخزائن الرزق ونحوها ،فقد قال الله تعالى :"الم ذلك الكتاب لا
ريب فيه هدى للمتقين " وقال :"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين
الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم
عذابا أليما " وقال تعالى :"وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين " وقال
تعالى :"قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء" وقال تعالى :"يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من
ربكم وشفاء لما في ا لصدور وهدى ورحمة للمؤمنين " لكن لابد من ضوابط لذلك وأ ولها
أن يكون القارئ مؤمنا به وعارفا به فالقارئ الذي لا يعرف القرآن ولا يتقنه ولا يعطي
الحروف حقها ومستحقها ولا يعرف معناها ولا يستطيع تفسير القرآن لا تنفع رقيته،
ثانيا ليس كل القرآن رقية فقد قال الله :"وننزل من القرآن ما هو شفاء " ومن تبعيضية
بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قرأ الفاتحة وما يدريك أنها
رقية،لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق ،فلو كان القرآن جميعه رقية لما سأله
هذا السؤال كذلك لابد من الإيمان به أي يكون الإنسان من أهل الإيمان والتصديق
والتوكل على الله تعالى ،وأيضا من المهم أن يكون متقيدا با لشرع فلا ينظر إلى ماحرم
الله ولا يلمس ما حرم ولا يخلو بأجنبية ولا يستغل الجن ولا يقترب منهم ، ولا ينفث
في العقد ولا يمارس أي شيء حرمه الله مما هو من الشعوذة والدجل ،وبالنسبة لأخذ
الأجرة على القراءة فالأفضل للمتسنن الذي يريد أن يؤدي وظيفة من وظائف الرسول صلى
الله عليه وسلم وهي "يتلو عليهم آياته " أن يفعل الإنسان ذلك لوجه الله تعالى ولا
يأخذ عليه أجرا ،ويجوز أخذ الأجرة عليه في حق من كان بخيلا أوكان غنيا لما ثبت في
حديث أبي سعيد الخدري أن سرية من أصحاب رسول الله عليه وسلم تضيفوا على قوم فلم
يضيفوهم فنهش سيدهم: أي لسعته حية فقال :هل معكم شيء من هذا الخير الذي جاء به
صاحبكم ؟، فقام شاب منا والله ما كنا نظنه بذلك ،فقال :لقد تضيفناكم فلم تضيفونا
والله لا نرقيه إلا بأجر ،فجعلوا له قطيعا من الغنم أي جعلوا له جعلة فقام يقرأ
بسورة الحمد وجعل يجمع بزاقه وينفث عليه فقام كأنما نشط من عقال "،فهذا يدل على
جواز أخذ الأجرة في حق أهل البخل والغنى ، أما أخذها من الفقراء وتكليفهم أو من ذوي
المروءات فهذا ليس مناسبا ولا من السنة ولا ينبغي بأي وجه من الوجوه.
السراج :بالنسبة لوقت أخذ
الأجرة بعد الشفاء أو بمجرد القرءاة ؟
الشيخ الددو :العقد نفسه ينقسم إلى قسمين عقد إجارة
أوعقد جعالة ، عقد الإجارة بمجرد أن تقرأ علي سورة البقرة أعطيك في مقابلها المبلغ
الفلاني ،سواء شفيت أم لم أشف وهذا جائز،العقد الثاني عقد الجعالة وهو جائز عند
المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة وغيرمباح لدى الأحناف لما فيه من
الغرر وهو أن تقرأ علي فإذا برئت أعطيتك وإذا لم أبرأ لا تستحق شيئا.والرقية ليست
بديلا عن الطب فالأسباب نوعان :شرعية وكونية ، والكونية هي ما يجربه الناس من الأمو
روهي قابلة للتخلف والتحقق ، والأسباب الشرعية هي ما ورد الوحي أنه ترتب عليه
مسببات معينة ، فالأسباب الشرعية لا تتخلف إذا تحققت شروطها ، وشروط الانتفاع
بالرقية خمسة :الأول :الأيمان بأن لا نافع ولاضار إلا الله جل جلاله ،فلا يلتمس
النفع من الراقي فقد قال الله تعالى لرسوله :"قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما
شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير
وبشير لقوم يؤمنون" الشرط الثاني : الإيمان بقدر الله خيره وشره حلوه ومره ويعلم
الإنسان بأنه رفعت الأقلام وجفت ا لصحف بما هو كائن وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما
أخطأه لم يكن ليصيبه ،الشرط الثالث: الإيمان بالانتفاع بالقرآن فنحن علينا أن نعتقد
أنا من المؤمنين ،والمؤمنون أخبر الله تعالى بأنهم ينتفعون بالقرآن ، "قل هو للذين
آمنوا هدى وشفاء " والشرط الرابع: الإصغاء له والإنصات ،فقد قال تعالى :"وإذا قرئ
القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " الشرط الخامس وهو التدبر وهو قسمان :
تدبر التفهم في المعاني في حق من يفهم الألفاظ ، وتدبر المحبة: أن يحبه الإنسان
لأنه كلام الله جل جلاله ،فإذا تحققت هذه الشروط لابد أن يؤثر بإذن الله .
السراج : هل يجب التداوي أصلا ..؟؟
الشيخ محمد الحسن ولد الددو : النبي صلى الله عليه
وسلم أمر بالتداوي وقال "لم ينزل الله داء من السماء إلا أنزل له دواء،فتداووا عباد
الله"،واتفق العلماء على أن أمراض القلوب يجب التداوي منها،أما أمراض الجسوم فلا
يجب التداوي منها.وبالنسبة للتجارب في هذا النوع لايجب انضباطها تماما،فقد يشفى
أحدنا ب20 قراءة للفاتحة ولا يشفى آخر بنفس العدد.
السراج : في الجانب الفقهي يطرح إشكال عقد الإيجار
المنتهي بالتمليك كثيرا من الجدل كيف تنظرون إلى هذا العقد.
الشيخ محمد الحسن ولد الددو : هذا العقد منتشر بين
البلدان: الإسلامية،وهو عقد باطل لأنه متردد بين عقدين عقد البيع،وعقد الإيجار،فعقد
البيع يترتب عليه الأثر وهو الملكية وعقد الإيجار يترتب عليه أثر الانتفاع بالمنفعة
دون ملك العين،فتملك بعقد الإيجار المنفعة،وتملك بعقد البيع المنفعة،وبصحة العقد
ترتب أثره.
لكن في مثل هذه الأحكام ينظر إلى الدافع الذي يدفع
الناس إلى اقتحامها،وهو انتشار عدم الأمانة بين الناس ولهذه المسألة حلول شرعية من
بينها الرهن والضمان والكفالة،وهي عقود توثق معروفة في الفقه الإسلامي.وبعض
المؤسسات الإسلامية جاءت بعقد جديد وهو الوعد بالتمليك،أو الوعد بالترخيص،حيث يكون
ثمن الامتلاك دفعة واحدة.
السراج : البنوك الإسلامية،ظاهرة جديدة بدأت تدخل سوق
المال العام،وبعض البنوك التقليدية ( الربوية) تعلن عن افتتاح فرع إسلامي ضمن
جهازها العام،ربما اشترك مع البنك الربوي في وحدة محاسبية واحدة إلى غير ذلك ..كيف
تنظرون إلى مثل هذا الانتقال؟. الشيخ
محمد الحسن ولد الددو : إذا كان الفرع مستقلا عن البنك في وحدته المحاسبية وجهازه
العملي،مثل بنك الوطني مثلا فهذا جائز ..وهو الأمر الذي ينبغي أن يكون.
وإذا كانت المؤسسة تسعى إلى التدرج إلى الفصل الكامل
بين فرعها الربوي وفرعها الشرعي،فإن الأمر أيضا قد يجوز تشجيعا لها،وحينئذ تشجع من
أجل الوصول إلى فصل نهائي ونحن نشجع كل ما يؤول إلى تطبيق الشريعة الإسلامية. السراج
: الحج بقروض من هذه البنوك الإسلامية هل يجوز؟
الشيخ محمد الحسن ولد الددو : بالنسبة للبنوك
الإسلامية،لأن القرض لايجوز أخذ الربح منه،والبنوك مؤسسات ربحية.
السراج : كنتم من أبرز العلماء الذين وقفوا في وجه
الدعوة إلى إلغاء الحج بسبب إنفلونزا الخنازير..كيف تنظرون إلى الموقف الآخر الداعي
لذلك الإلغاء.
الشيخ محمد الحسن ولد الددو : أسأل الله تعالى أن
يجعلنا من العلماء،أعتقد أن العالم يعج بكثير من الأمراض الخطيرة من السرطانات
والسيدا والحمى الخطيرة بكل أنواعها،وهي أكثر وأشد من حمى الخنازير المعروفة الآن.
وهم الآن يصنفون هذه الحمى باعتبارها وباء عالميا رغم
أن قتلاها لايزالون بحمد الله عددا ميسورا،لكن الإعلام بات إعلاما تجاريا تستغله
الشركات التي تريد ترويج بضاعتها،لتخويف الناس من هذا المرض،ولهذا وجدت سوق الأدوية
في هذا الحمى وسيلة للترويج والتخويف.
السراج : علم التصوف والتزكية أي جهد قدمه الإسلاميون
لتربية المجتمع وتزكيته؟
بالنسبة للإنسان هو مكون من ثلاثة عناصر من عقل وجسم
وروح،ولكل عنصر من هذه العناصر تكوينه وغذاؤه الخاص والتصوف مثل الفقه منه المقبول
والمردود.والإسلاميون بحمد الله يقومون بأدوار مشهودة في هذا المجال غرسا وتنمية
لقيم التزكية الفاضلة في المجتمع ومحاربة للبدع والظواهر السيئة،وتأصيلا للعبادات
والممارسات كلها.والبعض يرى في هذا غلوا والبعض الآخر يرى فيه تساهلا وتقصيرا وهذه
هي ضريبة الوسطية.
السراج : شكر ا لكم